البلهارسيا تعود إلى واجهة المكافحة.. ومأمون حميدة عضواً في المجموعة الاستشارية لمنظمة الصحة العالمية

الخرطوم – أول النهار

في وقت يحقق فيه العالم تقدماً متسارعاً نحو القضاء على مرض البلهارسيا، يعود السودان إلى واجهة الجهود الدولية لمكافحة المرض، في ظل تداعيات الحرب التي ألقت بظلالها على القطاع الصحي، وأثرت في برامج الوقاية والمكافحة، وسط مخاوف من عودة المرض إلى مناطق كانت قد سجلت معدلات منخفضة أو خالية من الإصابة.

وفي هذا السياق، اختير بروفيسور مأمون حميدة مجدداً عضواً في المجموعة الاستشارية المعنية بمراجعة جهود القضاء على البلهارسيا، والتابعة لمنظمة الصحة العالمية، في خطوة تعكس استمرار حضوره في ملف مكافحة أحد أقدم الأمراض الطفيلية التي عرفتها البشرية.

ويأتي الاختيار في توقيت بالغ الأهمية بالنسبة للسودان، الذي تواجه فيه برامج مكافحة الأمراض المعدية تحديات كبيرة بسبب الحرب، بما في ذلك صعوبة الوصول إلى المناطق المتأثرة، وتراجع عمليات المسح الوبائي، وضعف خدمات الصحة الوقائية، الأمر الذي قد يهيئ الظروف لانتشار البلهارسيا في مناطق جديدة.

تجربة سابقة في المكافحة

وخلال توليه مهام وزارة الصحة، قاد بروفيسور مأمون حميدة جهوداً للحد من انتشار البلهارسيا، خاصة في المناطق الواقعة على شواطئ النيل الأبيض ونهر النيل، من خلال برامج استهدفت الوقاية والعلاج والحد من مسببات انتقال المرض.

وشملت تلك الجهود التوسع في توزيع العلاج الوقائي وتنفيذ حملات تستهدف المجتمعات الأكثر عرضة للإصابة، إلى جانب الاهتمام بمكافحة القواقع التي تمثل أحد العوامل الأساسية في دورة انتقال المرض.

ورغم الجدل الذي صاحب بعض تلك الحملات في ذلك الوقت، فإن التجربة وفرت قاعدة مهمة يمكن البناء عليها في استعادة برامج المكافحة، خصوصاً في ظل الحاجة الحالية إلى إعادة تنفيذ المسوحات وتحديد المناطق التي شهدت تغيراً في معدلات انتشار المرض نتيجة الحرب.

مصر تقترب من طي صفحة المرض

وتبرز التجربة المصرية كأحد النماذج الإقليمية المهمة في مكافحة البلهارسيا، بعدما تمكنت البلاد من خفض معدلات الإصابة إلى مستويات متدنية للغاية، مستفيدة من العلاج الجماعي، وبرامج الكشف المبكر، ومكافحة القواقع، إلى جانب التوسع في خدمات المياه والصرف الصحي.

وتعكس هذه التجربة إمكانية الانتقال من مرحلة السيطرة على المرض إلى مرحلة القضاء عليه، إذا توافرت الإرادة السياسية والموارد والبرامج الصحية المستدامة، فضلاً عن مشاركة المجتمعات المحلية.

وفي المقابل، يواجه السودان تحدياً مضاعفاً، إذ لم تعد المعركة مرتبطة فقط بمكافحة المرض في المناطق المعروفة تاريخياً بانتشاره، وإنما بمنع انتقاله إلى مناطق جديدة ظهرت فيها مؤشرات على وجوده نتيجة الظروف الصحية والبيئية التي فرضتها الحرب.

شراكة مرتقبة بين جامعة العلوم الطبية وولاية الخرطوم

وأبدى بروفيسور مأمون حميدة حماساً لمواصلة العمل في ملف مكافحة البلهارسيا، مؤكداً أهمية تكامل الجهود الرسمية والأكاديمية والمجتمعية للقضاء على المرض.

وكشف عن توجه لطرح شراكة بين جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا وولاية الخرطوم، لتنفيذ المسوحات اللازمة لتحديد خريطة انتشار البلهارسيا، وتوفير المعلومات العلمية التي تساعد الجهات الصحية على توجيه حملات المكافحة إلى المناطق الأكثر احتياجاً.

كما أعلن استعداد الجامعة للمساهمة في تحمل التكاليف اللوجستية المرتبطة بحملات المكافحة، بما يعزز فرص تنفيذ تدخلات ميدانية واسعة، بالتنسيق مع الجهات الصحية المختصة.

المجتمع شريك أساسي

وأكد حميدة أن القضاء على البلهارسيا لا يمكن أن يعتمد على المؤسسات الصحية وحدها، مشدداً على أهمية دور المجتمعات والأفراد في الوقاية من المرض، والالتزام بالإرشادات الصحية، والمشاركة في حملات العلاج والمسح.

وتبقى مكافحة البلهارسيا في السودان مرتبطة بصورة مباشرة بتحسين البيئة الصحية، وتوفير المياه الآمنة، وتعزيز خدمات الصرف الصحي، إلى جانب مكافحة القواقع وتنفيذ حملات العلاج الجماعي في المناطق التي تثبت المسوحات ارتفاع معدلات الإصابة فيها.

ومع عودة الملف إلى دائرة الاهتمام الدولي، فإن السودان أمام فرصة لإعادة بناء برنامج وطني متكامل لمكافحة البلهارسيا، مستفيداً من الخبرات السابقة والشراكات الأكاديمية والدعم الدولي، وصولاً إلى هدف القضاء على المرض، وليس مجرد السيطرة عليه.

ويحمل اختيار بروفيسور مأمون حميدة عضواً في المجموعة الاستشارية لمنظمة الصحة العالمية أهمية خاصة للسودان، في وقت تتطلب فيه المرحلة المقبلة خبرات متخصصة، ومسوحاً ميدانياً دقيقة، وتعاوناً بين الدولة والجامعات والمنظمات الدولية والمجتمعات المحلية، لإعادة البلهارسيا إلى مسار التراجع بعد أن فرضت الحرب تحديات جديدة أمام جهود مكافحتها.

التعليقات مغلقة.