غلاء المعيشة يشعل الشارع الأوروبي.. التضخم يضغط على المواطنين والاحتجاجات تتصاعد

من باريس إلى ميلانو ولشبونة.. الأجور والسكن والطاقة في قلب الغضب الشعبي

من باريس إلى ميلانو ولشبونة.. الأجور والسكن والطاقة في قلب الغضب الشعبي

تقرير: أول النهار

تتصاعد الضغوط المعيشية في عدد من الدول الأوروبية مع خروج مئات الآلاف إلى الشوارع خلال عطلة نهاية الأسبوع احتجاجاً على ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية وغلاء السكن والطاقة في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين دخول المواطنين والأعباء اليومية التي تواجههم.
وشهدت فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال السبت 17 أكتوبر مظاهرات واسعة رفعت مطالب بتحسين الأجور والحد من ارتفاع الأسعار وتوفير مساكن بأسعار معقولة إلى جانب الاعتراض على تراجع الخدمات العامة وتكاليف التعليم .
وبينما سارت تجمعات عديدة بصورة سلمية تحولت بعض الاحتجاجات إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب خصوصاً في مدن فرنسية وإيطالية.

وتضع هذه التحركات الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في صدارة المشهد الأوروبي حيث لم تعد القضية مرتبطة بمعدلات التضخم وحدها بل بقدرة الأسر على الوفاء بالتزاماتها الأساسية في ظل ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والنقل والطاقة ومطالب متزايدة بأن تنعكس السياسات الاقتصادية على مستوى معيشة المواطنين.

احتجاجات فرنسا…

كانت فرنسا إحدى أبرز بؤر الاحتجاجات إذ خرجت حشود كبيرة في عشرات المدن في تحركات جمعت بين مطالب الطلاب والعمال والنقابات والشرائح المتضررة من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة.
ووفقاً لتقارير صحفية تجاوز عدد المشاركين في المسيرات نصف مليون شخص فيما شهدت باريس ومدن أخرى مواجهات وأعمال تخريب طالت متاجر ومباني عامة وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع واستخدمت وسائل تفريق الحشود.
وامتدت تداعيات الأحداث إلى خسائر في الممتلكات وعمليات توقيف واسعة بينما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الهدوء مؤكداً ضرورة التمييز بين المحتجين السلميين و مجموعات العنف.

وتكشف الاحتجاجات عن تداخل المطالب المعيشية مع قضايا التعليم والإنفاق العام والعدالة الاجتماعية في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً لاحتواء الغضب الشعبي والاستجابة للمطالب المتعلقة بالخدمات والأجور.
البرتغال في الواجهة….

في البرتغال خرجت حشود كبيرة في العاصمة لشبونة ومدن أخرى بدعوة من الاتحاد النقابي العام للعمال احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وتدني الأجور وأزمة السكن.
وتبرز أزمة الإسكان باعتبارها أحد أبرز مصادر الضغط على الأسر بعدما تجاوزت أسعار المنازل في البلاد ضعف مستوياتها المسجلة عام 2017 فيما اقتربت إيجارات العقود الجديدة من الضعف خلال الفترة نفسها.
وزادت الضغوط مع تسجيل التضخم في البرتغال 3.6% في سبتمبر وفق بيانات أوردتها رويترز مدفوعاً بارتفاع أسعار الغذاء والوقود الذي زادت أسعاره بنحو 15% على أساس سنوي.

وتعكس هذه المؤشرات معضلة اقتصادية تتجاوز ارتفاع الأسعار إلى اختلال العلاقة بين الدخل وتكاليف السكن خصوصاً في المدن الكبرى حيث يواجه العاملون والطلاب صعوبة متزايدة في تحمل الإيجارات والوفاء ببقية الالتزامات الشهرية.

بلجيكا في الدائرة…..

وفي بلجيكا امتدت الاحتجاجات الطلابية التي شهدتها البلاد خلال الأسابيع الماضية اعتراضاً على ارتفاع تكاليف التعليم والرسوم الجامعية إلى مواجهات في العاصمة بروكسل ومدن أخرى.
وتدخلت الشرطة باستخدام خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق بعض التجمعات بينما تداخلت المطالب الطلابية مع حالة أوسع من الاستياء بشأن الأعباء المعيشية والسياسات الحكومية.

ويشير اتساع نطاق المشاركة في بعض التحركات إلى أن الضغوط التي تبدأ من قطاع محدد قد تجد صدى لدى فئات أخرى تواجه مشكلات متقاربة خصوصاً عندما ترتبط تكاليف التعليم والسكن والنقل بقدرة الأسر على تحمل نفقاتها.

إيطاليا تشتعل…

وشهدت مدينتا ميلانو وبولونيا احتجاجات ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور وغلاء الإيجارات إلى جانب مطالب بتحسين ظروف العمل والخدمات العامة.
وفي ميلانو تحولت بعض المواجهات إلى اشتباكات مع الشرطة وأُبلغ عن أضرار في ممتلكات ومحال تجارية في حين شهدت تحركات أخرى مشاركة متظاهرين بصورة سلمية.
وتكشف المطالب المطروحة عن جانب مهم من الأزمة المعيشية يتمثل في أن ارتفاع الأسعار لا يُقاس فقط بمعدل التضخم بل بمدى قدرة الأجور على مواكبته .
فعندما ترتفع النفقات الأساسية بوتيرة تفوق نمو الدخول تتراجع القوة الشرائية حتى لدى العاملين الذين يحتفظون بوظائفهم.

الطاقة والغذاء..

وتأتي الاحتجاجات وسط ضغوط على أسعار الطاقة والوقود والغذاء وهي عناصر تنتقل آثارها إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد بدءاً من تكاليف النقل والإنتاج وصولاً إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك النهائي.

وتشير تقارير صحفية إلى أن التوترات في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية أسهمت ضمن عوامل أخرى في الضغوط على أسواق الطاقة وتكاليف المعيشة الأوروبية. غير أن تحديد الوزن الدقيق لكل عامل يتطلب النظر إلى ظروف كل دولة وسياساتها الاقتصادية ومصادر إمداداتها.
وتزداد حدة التأثير عندما تتزامن زيادة نفقات الأسر مع ارتفاع الإيجارات وتكاليف الاقتراض أو بطء نمو الأجور ما يقلص المساحة المتاحة للإنفاق على الاحتياجات الأخرى ويجعل الأسر محدودة الدخل أكثر عرضة للصدمات السعرية.

التضخم و أزمة الشراء

اقتصادياً لا تكمن المشكلة في ارتفاع الأسعار وحده وإنما في العلاقة بين هذا الارتفاع ومستوى الدخول . فالتضخم يقلل القيمة الحقيقية للنقود و إذا لم ترتفع الأجور بالمعدل نفسه تصبح الأسرة قادرة على شراء كميات أقل من السلع والخدمات بالدخل ذاته.
ويبرز السكن في هذا السياق باعتباره أحد أكثر أوجه الأزمة وضوحاً إذ لا يستطيع المستأجر في العادة خفض نفقته بسهولة عندما يرتفع الإيجار كما أن الغذاء والطاقة والنقل تمثل احتياجات أساسية يصعب الاستغناء عنها.

وتتجاوز انعكاسات هذه الضغوط الحسابات الفردية لتطال النشاط الاقتصادي نفسه؛ فتراجع القدرة الشرائية قد يحد من الإنفاق الاستهلاكي فيما يؤدي ارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل إلى زيادة الضغوط على الشركات ويضع الحكومات أمام معادلة صعبة بين دعم الفئات المتضررة والمحافظة على التوازنات المالية.

كما أن اتساع الاحتجاجات لا يعني بالضرورة أن أسبابها واحدة في جميع البلدان فمطالب المحتجين في فرنسا شملت الخدمات العامة والتعليم بينما تصدرت أزمة السكن والأجور التحركات في البرتغال وبرزت تكاليف التعليم في بلجيكا إلى جانب مطالب معيشية أوسع في إيطاليا.

اختبار الحكومات…

تضع هذه التطورات الحكومات أمام اختبار يتعلق بقدرتها على معالجة الأسباب المباشرة للغضب الشعبي من خلال سياسات الأجور والإسكان والطاقة والخدمات العامة مع مراعاة اختلاف الأوضاع المالية والاقتصادية من دولة إلى أخرى.

التعليقات مغلقة.