هل تنقذ البنوك الأجنبية السودان من قبضة الدولار؟

خبراء: التبادل بالعملات المحلية ممكن.. لكن استقرار الجنيه وزيادة الصادرات شرطان أساسيان

تقرير : رحاب إبراهيم

في وقت تتزايد فيه الضغوط على النقد الأجنبي وتتسع الفجوة بين احتياجات الاستيراد والموارد المتاحة برز مقترح بفتح فروع لبنوك صينية وروسية وهندية وتركية بجانب المصرية في السودان لتسهيل تمويل التجارة الخارجية بالعملات المحلية وتقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي. ويستند المقترح إلى تقديرات تشير إلى أن السودان ينفق مليارات الدولارات سنوياً على استيراد السلع الأساسية في مقدمتها القمح والسكر والزيوت بجانب الأدوية و الوقود، بينما تتجه حصة كبيرة من وارداته إلى الصين. لكن هل يكفي فتح فروع لهذه البنوك لتجاوز أزمة الدولار أم أن نجاح الخطوة يرتبط بإصلاحات أوسع في الاقتصاد والجهاز المصرفي؟

تحييد الدولار…..

قدّر أحد الاختصاصيين الاقتصاديين حجم الإنفاق السنوي على استيراد القمح والسكر والزيوت بنحو أربعة مليارات دولار سنوياً مشيراً إلى أنه إذا بلغت فاتورة الاستيراد الإجمالية عشرة مليارات دولار فإن الصين تستحوذ وفق تقديره على نحو 60% من الواردات السودانية.

واقترح أن تتجه الحكومة ممثلة في وزير المالية ومحافظ بنك السودان المركزي إلى التفاوض مع الصين بشأن فتح فرع لبنك صيني في السودان بما يتيح تمويل الواردات الصينية عبر ترتيبات مصرفية تعتمد على العملات المحلية بدلاً من اللجوء إلى الدولار في كل عملية استيراد.
وأوضح أن الفكرة تقوم على إيداع المستورد قيمة مشترياته بالجنيه السوداني لدى البنك داخل السودان على أن يتولى البنك التنسيق مع فرعه في الصين وتسوية قيمة الصفقة وفق آلية متفق عليها بما يقلل حاجة المستورد إلى توفير الدولار بصورة مباشرة.

ويرى صاحب المقترح أن تطبيق هذه الآلية يمكن أن يخفف الطلب على الدولار ويوجه الموارد المتاحة لتمويل الواردات التي يصعب الاستغناء عنها مثل الأدوية والوقود، داعياً إلى دراسة فتح فروع لبنوك روسية وهندية وتركية إلى جانب إعادة تفعيل دور البنوك المصرية في تسهيل التجارة بين البلدين.

وأشار إلى أن التوجه نحو تسوية المعاملات التجارية بالعملات الوطنية يحظى باهتمام عدد من الدول الساعية إلى تقليل اعتمادها على الدولار في التجارة الدولية.

غير أن المقترح يطرح تساؤلات بشأن كيفية تحويل الجنيه السوداني إلى عملات الدول المعنية ومدى استعداد البنوك الأجنبية لقبوله، فضلاً عن طبيعة الاتفاقيات المطلوبة لضمان تسوية المدفوعات واستمرار تدفق السلع دون اختلالات جديدة في سوق الصرف.

استقرار الجنيه….

وفي استطلاع أجرته «أول النهار» لمعرفة مدى إمكانية تطبيق المقترح قال الخبير المصرفي د. لؤي عبد المنعم إن الانتقال إلى التعامل بالعملات المحلية في التجارة الخارجية ينبغي أن تسبقه اتفاقيات واضحة للتبادل التجاري والتسوية المصرفية بين السودان والدول المعنية.

وأوضح أن إبرام مثل هذه الاتفاقيات يتطلب في المقام الأول العمل على استقرار سعر صرف العملة الوطنية مشيراً إلى أن تراجع الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية يضعف قدرة الاقتصاد على بناء علاقات مالية وتجارية مستقرة.

وأضاف أن معالجة هذه الاختلالات تستدعي زيادة احتياطي الذهب وتعزيز موارد الدولة من الصادرات وهو ما يرتبط بزيادة الإنتاج وخفض تكاليفه والحد من المنافسة غير المنظمة وترشيد الإنفاق العام ومعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.

وشدد لؤي على أهمية حشد الموارد لتمويل التنمية عبر الجهاز المصرفي بما يشمل دمج المصارف عند الحاجة وتطوير منتجات مصرفية تسهم في تعزيز السيولة وتحسين قدرة البنوك على تمويل النشاط الاقتصادي.

وأكد أن هذه الإصلاحات لا يمكن أن تتحقق بصورة منفصلة بل تحتاج إلى حزمة متزامنة من القرارات الاقتصادية والنقدية والمصرفية بحيث تدعم كل خطوة الأخرى وتوفر الأساس اللازم لنجاح أي اتفاقيات للتبادل بالعملات المحلية.

وبحسب رؤيته فإن فتح فروع لبنوك أجنبية قد يمثل جزءاً من الحل لكنه لا يغني عن معالجة أسباب ضعف العملة الوطنية ومحدودية الموارد من النقد الأجنبي.

فكرة قديمة….

من جانبه قال الخبير الاقتصادي د. هيثم فتحي إن المقترح يستند إلى صيغة معروفة في الماضي باسم «منظومة الصفقات المتكافئة» التي تقوم على التبادل التجاري للسلع أو تسويتها بترتيبات تقلل الحاجة إلى استخدام العملات الأجنبية في كل معاملة.

وأوضح أن هذا النوع من الترتيبات يمكن أن يخفف الضغط على العملات الأجنبية في نطاق محدد لكنه لا يشكل، بمفرده، حلاً جذرياً لأزمة ارتفاع سعر الدولار أو نقص المعروض منه في السوق السودانية.

وأشار إلى أن استخدام اليوان الصيني أو الروبل الروسي أو الروبية الهندية أو الليرة التركية لا يعني تلقائياً الاستغناء عن الدولار، إذ تتحدد الفائدة الفعلية من هذه العملات بحجم العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول المعنية وطبيعة السلع المتبادلة وقدرة السودان على توفير مقابل وارداته من خلال صادراته.

وأضاف أن التعاون في مجال التسويات بالعملات الوطنية يمكن أن يوفر بعض البدائل خصوصاً في ظل تنامي الاهتمام بالتجارة بين الدول الأعضاء في مجموعة «بريكس» لكن نجاح هذه الترتيبات يظل مرتبطاً بوجود مصالح تجارية متبادلة وآليات مصرفية قابلة للتطبيق.

تهديد التجربة….

ونبّه هيثم إلى أن أحد أبرز التحديات أمام المقترح يتمثل في اختلال الميزان التجاري بين السودان وعدد من الدول المستهدفة إذ تتجاوز قيمة الواردات السودانية من هذه الدول وفق طبيعة العلاقات التجارية القائمة ما يمكن أن يقابله من صادرات سودانية إليها.

وأوضح أن تمويل الواردات بالعملات المحلية لا يلغي الالتزام بتوفير قيمة السلع المستوردة وإنما ينقل عملية التسوية إلى آلية أخرى.

فإذا استورد السودان سلعاً بقيمة كبيرة من الصين أو روسيا دون أن يمتلك صادرات كافية إلى هاتين الدولتين فسيظل مطالباً بمعالجة الفجوة بين قيمة الواردات والصادرات.

وأضاف أن نجاح التبادل بالعملات المحلية يتطلب توسيع الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات السودانية بما يتيح توفير موارد مقابلة للواردات ويحد من تراكم الالتزامات المالية تجاه الشركاء التجاريين.

وأشار إلى أن المصدّر الأجنبي لن يكون لديه حافز كافٍ لقبول الجنيه السوداني ما لم تتوفر آلية واضحة تضمن إمكانية استخدامه أو تحويله إلى العملة المطلوبة وهو ما يستدعي اتفاقات مسبقة بين المصارف المركزية والبنوك التجارية في الدول المعنية.

مقاصة مصرفية……

وأكد هيثم أن تطبيق المقترح يتطلب اتفاقيات تجارية ثنائية تنص بوضوح على استخدام العملات المحلية في تسوية المدفوعات، إلى جانب الربط بين بنك السودان المركزي والبنوك المركزية في الدول الشريكة، ووضع آلية محددة لتبادل العملات وإجراء المقاصة بين الالتزامات المتبادلة.

وأوضح أن العملية تحتاج كذلك إلى تحديد أسعار الصرف المعتمدة وآلية احتساب قيمة المدفوعات بما يضمن وضوح الحقوق والالتزامات بين الأطراف ويحد من مخاطر تقلبات أسعار العملات.

وشدد على أهمية إعادة تفعيل ترتيبات الصفقات المتبادلة متى توافرت شروط نجاحها مع مراعاة أسعار صرف العملات المعنية في أسواقها وسعر صرف الجنيه السوداني والفروق التي قد تنشأ عند تسوية المعاملات.

ويرى أن مجرد فتح فرع لبنك أجنبي لا يكفي لتحقيق هذه الأهداف ما لم يكن جزءاً من منظومة متكاملة تشمل الاتفاقيات الثنائية والتنسيق بين البنوك المركزية وتوافر السيولة بالعملات المستخدمة ووجود حركة تجارية متوازنة نسبياً بين الدول.

تخفيف الضغط…….

تكشف إفادات الخبيرين أن التعامل بالعملات المحلية يمثل خياراً يمكن دراسته لتقليل الاعتماد على الدولار في جزء من التجارة الخارجية، خاصة مع الدول التي ترتبط بالسودان بعلاقات استيراد وتصدير واسعة. غير أن تحويل الفكرة إلى واقع يتطلب ترتيبات مالية ومصرفية تتجاوز مسألة فتح فروع للبنوك الأجنبية.

فالمسألة لا تتعلق فقط بالعملة التي يدفع بها المستورد قيمة البضاعة بل بمصدر هذه العملة، والجهة التي تقبلها وكيفية تحويلها وتسوية الالتزامات ومدى قدرة الصادرات السودانية على توفير مقابل الواردات.

وبينما يمكن لاتفاقيات التبادل بالعملات المحلية أن تخفف الطلب المباشر على الدولار في بعض المعاملات فإن استدامة التجربة تظل مرتبطة باستقرار الجنيه السوداني وزيادة الإنتاج والصادرات وتحسين موارد النقد الأجنبي ومعالجة الاختلالات في الميزان التجاري.

وعليه فإن المقترح يفتح باباً للنقاش حول بدائل تمويل التجارة الخارجية لكنه يضع أمام صانع القرار مهمة مزدوجة توسيع خيارات التسوية المصرفية من جهة وإصلاح الأسس الإنتاجية والنقدية التي تحدد قدرة السودان على تمويل وارداته من جهة أخرى.

التعليقات مغلقة.