الموارد البشرية: إعادة إعمار السودان تبدأ بإعادة بناء الإنسان والانتقال من الإعانة إلى التمكين

الخرطوم: رحاب إبراهيم

أكد وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، معتصم أحمد صالح، أن مرحلة التعافي وإعادة إعمار السودان تتطلب الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التمكين، ومن الإعانة إلى الإنتاج، عبر بناء منظومة متكاملة للحماية والتنمية الاجتماعية، مشدداً على أن إعادة إعمار البلاد لا تقتصر على تشييد الطرق والجسور، وإنما تبدأ بإعادة بناء الإنسان واستعادة قدرته على الحياة والإنتاج.

جاء ذلك خلال مخاطبته ملتقى شركاء الرعاية والتنمية الاجتماعية، المنعقد تحت شعار: «شراكة فاعلة من أجل حماية اجتماعية شاملة وتنمية مستدامة»، بفندق القراند بالخرطوم صباح اليوم الجمعة، بمشاركة وزراء الرعاية والتنمية الاجتماعية بالولايات وممثلي المؤسسات الوطنية والدولية ومنظمات المجتمع المدني.

وقال صالح إن الحرب خلفت آثاراً عميقة على المجتمع السوداني، أسهمت في اتساع دائرة الفقر والهشاشة، وتضرر سبل كسب العيش والخدمات الأساسية، فضلاً عن موجات النزوح واللجوء التي فرضت أعباءً استثنائية على الأسر والمجتمعات والولايات.

وأشاد بالجهود التي بذلتها مؤسسات الدولة وحكومات الولايات والمنظمات الوطنية والدولية والمجتمع المدني والمبادرات المجتمعية في تخفيف آثار الحرب، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب توجيه الجهود نحو تمكين الإنسان من استعادة حياته ومصدر دخله، وإعادة بناء الأسرة والمجتمع، وتعزيز القدرة على مواجهة الفقر والصدمات.

وأوضح أن رؤية الوزارة تقوم على أن التعافي الاجتماعي ليس نتيجة لاحقة لإعادة الإعمار، بل أحد شروط نجاحه واستدامته، مشيراً إلى أهمية توفير الحماية للفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الفقراء وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة والأطفال والنساء والأسر المتأثرة بالحرب.

وأكد أن الحماية الاجتماعية ينبغي أن ترتبط بالتعليم والتأهيل والتدريب وكسب العيش والمشروعات الصغيرة والإنتاج، حتى لا تتحول إلى وسيلة لإدامة الفقر، وإنما إلى أداة لصون كرامة الإنسان وفتح الطريق أمامه نحو الإنتاج والاستقرار.

العودة ليست مجرد نقل للنازحين

وشدد الوزير على أن عودة النازحين واللاجئين يجب ألا تُنظر إليها باعتبارها مجرد عملية نقل من مكان إلى آخر، وإنما باعتبارها عودة متكاملة تقوم على الاستقرار وإعادة الإدماج، من خلال توفير الخدمات الأساسية وفرص كسب العيش والتعليم والرعاية، بما يمكّن الأسر من بدء حياتها من جديد.

وأكد أن ملف العودة وإعادة الإدماج يمثل جزءاً أصيلاً من رؤية الحماية والتنمية الاجتماعية خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

كما شدد على أن تعزيز السلم المجتمعي والمصالحة والتعايش واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع تمثل ركائز أساسية للتعافي، قائلاً إن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق دون مجتمع متماسك وعدالة اجتماعية، وإن إعادة الإعمار لن تنجح ما لم يشعر المواطن بأنه شريك في وطنه ومستقبله.

شراكة تتجاوز المركز

وأكد صالح أن تحقيق أهداف التعافي الاجتماعي يتطلب شراكة واسعة بين الحكومة الاتحادية والولايات والأقاليم والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات الوطنية والمنظمات الإقليمية والدولية، إلى جانب المجتمعات المحلية والمستفيدين أنفسهم.

وشدد على ضرورة أن تكون الولايات في قلب عملية التخطيط والتنفيذ، لا مجرد منفذ لبرامج تُصنع في المركز، باعتبار أن احتياجات وأولويات المجتمعات تختلف من ولاية إلى أخرى، فيما يضطلع المركز بوضع السياسات والمعايير والأطر الوطنية، إلى جانب الدعم والتنسيق والمتابعة.

ودعا إلى توجيه المزيد من الموارد نحو البرامج التي تبني قدرات الإنسان والمجتمع، وتدعم التشغيل والتدريب والمشروعات الإنتاجية وسبل كسب العيش والخدمات الاجتماعية الأساسية، مع مراعاة الأولويات الوطنية واحتياجات المجتمعات المستضيفة.

منصة للحلول لا للأوراق

وأشار إلى أن أجندة الملتقى تتناول عدداً من القضايا المرتبطة بمرحلة التعافي، من بينها بناء رؤية وطنية موحدة للرعاية والتنمية الاجتماعية، والمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، والسلم المجتمعي، وأسواق العمل، والتشغيل والتمكين الاقتصادي، ودور مراكز التنمية الاجتماعية، والاستفادة من تجارب الولايات.

وأكد أهمية ألا يخرج الملتقى بمجرد أوراق وتوصيات، وإنما بأولويات واضحة وأدوار محددة ومشروعات قابلة للتنفيذ وإطار للشراكة ومؤشرات لقياس النتائج والأثر.

وقال إن الوزارة ستتعامل مع مخرجات الملتقى باعتبارها مدخلاً أساسياً لتطوير سياساتها وبرامجها خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، بالتنسيق مع الولايات والشركاء.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن بناء السودان يبدأ بالإنسان، وأن توحيد الجهود وحسن تحديد الأولويات واستثمار الموارد بكفاءة والانتقال من العمل المتفرق إلى العمل المتكامل يمكن أن يحول المرحلة الصعبة التي تمر بها البلاد إلى بداية لتعافٍ اجتماعي حقيقي وتنمية أكثر عدالة واستدامة.

اللجنة المنظمة: الملتقى يأتي في ظرف استثنائي

من جانبها، قالت ممثلة اللجنة المنظمة، الأستاذة بثينة رحمة، إن تنظيم الملتقى يأتي في ظرف استثنائي ودقيق من تاريخ البلاد، يواجه فيه المجتمع السوداني تحديات كبرى أثرت بصورة مباشرة على مختلف مناحي الحياة والقطاعات الحيوية جراء الحرب، مشيرة إلى أن القطاع الاجتماعي كان من أكثر القطاعات تضرراً.

وأوضحت أن الملتقى يستهدف تسليط الضوء على اتساع دائرة الاحتياجات الناتجة عن الحرب، وفي مقدمتها تزايد أعداد النازحين واللاجئين، وارتفاع أعداد الفئات الضعيفة والأشد احتياجاً.

وأضافت أن من أهداف الملتقى توحيد الرؤى والآليات التنسيقية بين وزارات التنمية الاجتماعية بالمركز والولايات والجهات ذات الصلة والشركاء، بما يضمن رفع كفاءة التدخلات الاجتماعية العاجلة.

وأشارت إلى أن الملتقى يسعى إلى وضع خارطة طريق موحدة والخروج بتوصيات وقرارات تؤسس لمستقبل أكثر إشراقاً واستقراراً للرعاية والتنمية الاجتماعية في جميع أنحاء السودان.

واختُتمت الجلسة الافتتاحية بالتأكيد على أن تكاتف الجهود يمثل السبيل الأمثل لبناء مجتمع متماسك، وتعزيز القيم الفاضلة وتحقيق التعافي الاجتماعي.

ويواصل الملتقى فعالياته يومي الجمعة والسبت، لمناقشة محاور الرعاية والتنمية الاجتماعية والخروج بتوصيات أكد الوزير اهتمام الوزارة بتنفيذها وتنزيلها على أرض الواقع، بالتنسيق مع الولايات والشركاء.

التعليقات مغلقة.