الخرطوم: رحاب إبراهيم
في زيارة حملت تقديراً لمسيرة أجيال من الإعلاميين السودانيين، التقى وزير الثقافة والإعلام والسياحة بإقليم دارفور، البروفيسور أحمد إسحق شنب، الإعلامية القديرة يسرية محمد الحسن، بحضور زوجها الإعلامي صلاح الدين عووضة، مستعيداً معها محطات من تاريخ الإعلام السوداني وتجارب رواده، فيما أكدت يسرية أن الإعلام ظل حاضراً في محطات السودان المفصلية، وشكل جزءاً من ذاكرة البلاد ووجدان شعبها.

وقال شنب إن زيارة يسرية تأتي ضمن تواصل الوزارة مع الرموز الإعلامية والثقافية والفنية، باعتبار أن المرحلة الحالية تحتاج إلى استدعاء التجارب السابقة والاستفادة منها في بناء مستقبل الإعلام السوداني.
وأضاف أن كونه وزيراً للثقافة والإعلام والسياحة بإقليم دارفور لا يعني انفصال الإقليم عن محيطه الوطني، قائلاً: «نحن صحيح أبناء دارفور، لكن في نفس الوقت أبناء السودان، والسودان بلدنا»، مؤكداً أن ما يصيب دارفور يصيب السودان كله، وما يصيب السودان ينعكس على دارفور.
وأشار إلى أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بالقطاع الإعلامي، وكان الإعلاميون من أكثر الفئات تأثراً بها، مبيناً أن بينهم من استشهد ومن تعرض للاعتقال، الأمر الذي يجعل استعادة عافية الإعلام جزءاً من عملية التعافي الوطني.

وأشاد شنب بالتجربة الإعلامية ليسرية محمد الحسن، ووصفها بأنها واحدة من الرموز التي استطاعت أن تثبت حضورها في زمن كان فيه العمل الإعلامي يقوم على أسماء وتجارب صنعت فارقاً في تاريخ الإذاعة والتلفزيون، مستعيداً خلال الزيارة أسماء عدد من رواد الإعلام السوداني، ومؤكداً أن الجيل الحالي مدين لتلك التجارب، وأن تجاهلها يعني التفريط في ثروة مهنية ومعرفية يمكن أن تسهم في إعداد جيل جديد أكثر قدرة على أداء رسالته.
ومن جانبها، عادت يسرية بذاكرتها إلى عدد من المحطات التي رافقت مسيرتها المهنية، مستعرضة مواقف عايشتها في مراحل مفصلية من تاريخ السودان، إلى جانب تجاربها في التغطية الخارجية والعمل الإعلامي العربي.
وتوقفت يسرية عند أحداث 30 يونيو 1989، حين كانت تشغل منصب نائب مدير التلفزيون، وروت تفاصيل الساعات الأولى التي سبقت بث بيان الانقلاب، مشيرة إلى أن مجموعة من الجنود داهمت الهيئة مطالبة بإذاعة البيان، الذي كان يُشار إليه آنذاك باعتباره «بيان الثورة».
وقالت إن حرصها على ألا يخرج البيان بصورة مباشرة على شاشة التلفزيون دفعها إلى ترتيب طريقة العرض، بدءاً من تلاوة القرآن الكريم، مروراً باختيار الأغاني الوطنية، فيما طلبت من أحد الموجودين التوجه إلى الإذاعة لإحضار «الجلالات»، على أن تتم إذاعة البيان بعد تقديمها له للمشاهدين.
وأضافت، بحسب روايتها، أنها عندما طلبت معرفة اسم الشخص الذي سيقوم بإذاعة البيان، أُبلغت بأن اسمه عمر أحمد، وعندما سألت عن الاسم الثالث امتنع الضابط عن ذكره. وأشارت إلى أن أكثر من 40 جندياً حضروا إلى المكان قبل تقديم البيان، وكان بعضهم يوجه سلاحه نحوها، الأمر الذي جعلها تطلب منهم إنزال الأسلحة، قائلة إنها لن تستطيع تقديم أي كلمة في ظل توجيه السلاح إليها.
وقالت يسرية إنها قدمت البيان وهي ترتجف من الخوف، قبل أن تعود تلك الواقعة إلى الواجهة بعد سنوات، عندما تم استدعاؤها إلى القصر الجمهوري وتكريمها من الرئيس عمر حسن أحمد البشير، حيث مُنحت مبلغاً من المال، قبل أن تتم إحالتها بعد شهر إلى «الصالح العام».
ومن تلك المحطة الداخلية، انتقلت يسرية في استعادتها لمسيرتها إلى تجربتها في تغطية أحداث العراق، واللقاء الذي جمعها بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهي محطة أخرى من محطات العمل الإعلامي التي احتفظت بتفاصيلها وذكرياتها.
وروت أن اللقاء جمعها والوفد السوداني بصدام حسين على متن السفينة الرئاسية، حيث شاركهم الإفطار وقضى معهم وقتاً، مشيرة إلى أنها احتفظت بصور وذكريات من تلك المناسبة.

وأضافت أن صدام حسين تحدث خلال اللقاء عن الحرب، ونقلت عنه قوله إنه يتوقع أن يقتله الأمريكيون، بينما «العرب ستقتلهم شعوبهم»، وهي شهادة استحضرتها خلال حديثها عن تجربتها في تغطية تلك المرحلة.
ولم تقف استعادة التجربة عند الأحداث التي عاصرتها يسرية، بل امتدت إلى الحديث عن المدرسة الإعلامية التي صنعت أجيالاً من المذيعين، ودور الإذاعة في التدريب والتأهيل وصقل المواهب، وهو ما وجد فيه شنب نموذجاً يمكن البناء عليه في إعداد الإعلاميين الجدد.
وأكد الوزير أن الإعلام لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل للأحداث، وإنما شريكاً في تشكيل الوعي والقيم، واصفاً إياه بأنه «رأس الرمح في التغيير»، ومشدداً على ضرورة أن تستعيد المؤسسات الإعلامية دورها في المرحلة المقبلة.
ولفت شنب إلى أن الوزارة تعمل على بناء جيل جديد من الإعلاميين، مع الاستفادة من أصحاب التجارب، مؤكداً أن بناء المؤسسات الإعلامية لا يتم بمعزل عن أهل المهنة والمجتمع، وأن آراء الإعلاميين القدامى والجدد تمثل رصيداً مهماً في صياغة مستقبل الإعلام.
وأكد أن دارفور، التي وصفها بـ«الجريحة»، ستكون أمام مرحلة جديدة من الإعمار، مشيراً إلى أن الإعلام سيكون حاضراً في هذه العملية، ليس فقط في نقل ما يجري، وإنما في المساهمة في إعادة بناء القيم والوعي وصورة السودان.
وفي ختام الزيارة، وجّه شنب التحية إلى يسرية محمد الحسن وإلى صلاح الدين عووضة، وإلى رموز الإعلام السوداني كافة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تضافر خبرات الأجيال المختلفة حتى يستعيد الإعلام السوداني مكانته ودوره في خدمة البلاد.
التعليقات مغلقة.