تقرير: إنتصار فضل الله
“72” ساعة قبل إسقاط حكم الرئيس عمر البشير
في يوم الخميس الموافق الحادي عشر من أبريل من العام 2019م، قضاها الشعب السوداني الثائر فوق جمر الانتظار لسماع التغيير المرتقب، وكانت اللحظات تمر مسرعة، امتزج فيها الفرح بالتفاؤل بنهاية نظام الإنقاذ الذي حكم البلاد مدة ثلاثين عاما، واشتعلت فيها روح الوطنية والحماسة، وعلت فيها الكثير من الشعارات مثل “تسقط بس”، ﺣﺮﻳﺔ ﺳﻼﻡ ﻭﻋﺪﺍﻟﺔ الثورة ﺧﻴﺎﺭ ﺍﻟﺸﻌﺐ”، و”ما بنخاف ما بنخاف ما بنخاف”، و”أي كوز ندوسو دوس”، و”الطلقة ما بتقتل بقتل سكات الزول”، وغيرها من الشعارات التي ملأت أجواء ساحة الاعتصام أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة.
1
ومع ازدياد الحراك ﺑﺎﺗّﺠﺎﻩ ﻭﺳﻂ ﺍﻟﺨﺮﻃﻮﻡ، تسابق المواطنون من كافة ولايات السودان للمشاركة في إسقاط النظام، وليس في نيتهم سوى “تسقط بس”، فقد كان هناك إحساس كبير باقتراب تحقيق هدف الثورة. إما أن يهرب الرئيس المخلوع عمر البشير أو أن يتقدم باستقالته من الحكم، فالطوق الذي لفه الثوار على عنق الإنقاذ ساندته ضغوطات كبيرة من العسكر على البشير ومحاولة إقناعه بالتنحي، غير أن الأمر بدا له أشبه بمسرحية سوف يقوم بإنهائها بإطلاق الرصاص على الحشود الهادرة وقتل الثلث وتفرقة الباقي، ولكن صمود الثوار كان الأقوى، ومع كل تهديد ووعيد يتلقونه تزداد القوة والإصرار، وتزداد معها الجموع التي كانت تنتظر بتشوق سماع نبأ إزاحة البشير.
2
المشهد العام الذي بدأ منذ السادس من أبريل وصفه مراقبون بالبركان البشري، وقالوا لـ”أول النهار”، ظل الشعب السوداني يقاوم ويتأهل لانقلاب الحركة الإسلامية منذ استيلائها على السلطة في 30 يونيو 1989، وقدم خلال ذلك أرتالاً من الشهداء والمفقودين والمعاقين بسبب جبروت وقمع النظام، الذي لم يقدم للبلاد إلا القتل والإفقار والجوع، بيد أن الثورة التي تعالت الهتافات فيها وتبادلت الجموع إشارات الحرية، كانت قادرة على تفكيك أنظمة وليس نظاما واحدا.
ويقول الخبير العسكري عبد الرحمن حامد إن تأزم الوضع الذي أحاط بالإنقاذ خلال الثامن وحتى العاشر من أبريل ذات العام، ومع تصاعد الحراك الثوري الذي عم كل مدن السودان وقراه، بل كل بيت وكل شارع، عجزت الإنقاذ عن إدارة البلاد أو تقديم أي مبادرة للفكاك من الطوق حولها، وفي ذات الوقت فشل أسلوب القمع والقتل الذي ظل يمارس طوال ثلاثة عقود ولم ينج منه حتى الأطفال والنساء اللاتي تعرضن للقمع والانتهاكات، كل ذلك فشل في إسكات الشارع أو القضاء على الحراك الثوري.
3
ويضيف حامد، بعد أن قضى نظام الإنقاذ على النظام الديمقراطي بللبلاد وقطع آمال الشعب السوداني وحبه للحرية سقط هيكله في السادس من أبريل مع بعض رموزه وأذياله بعد ثورة ديسمبر المجيدة تحت قيادة قوى الحرية والتغيير.
ليبقى يوم السادس من أبريل يوماً مشهوداً في سجل تاريخ السودان حين أحرق الثوار جدار أمن النظام وكتائب الظل لتلتهم الثوار مع أبنائها وبني جلدتها أمام القيادة العامة، وكان الضباط الأحرار من الرتب الصغيرة التي لم تصب بداء الأدلجة على الموعد كعادتها ومع الجنود تتفاعل مع الثورة والثوار صوناً للوطن أرضاً وإنساناً، وحمايته من نظام قمعي، وكان للمرأة السودانية دورها المميز كعهدها دائماً في هذا النجاح وحراك الثورة ووصولها إلى القيادة العام، بل سبقه وعد وموعد قطعه الثوار تحدياً للنظام وهم يتقدمون بصدور عارية أمام أسلحة فتاكة، هذا النجاح والاعتصام أمام القيادة العامة فشلت الإنقاذ في صده وضربه بكل الحيل والسبل مع العملية التي قام بها بعض رموز النظام بسحب الأسلحة من بعض الضباط والجنود، بل سحبهم من مواقع العمل خوفاً من دعم الثوار.
مشيراً إلى أن الوضع بعد السادس من أبريل كان مخيفاً لكل رؤوس الحكم الذين ظلت أجسادهم ترتجف مما أصابهم، خاصة بعد تدخلات المجتمع الدولي التي وقفت مع مطالب الشعب وإزاحة البشير.
4
واتفق المحلل السياسي عباس أبو بكر مع الآراء السابقة، لافتاً إلى أن ما ذكر جسد حال البلاد بين السادس والحادي عشر من أبريل في تلك الفترة، وأضاف أنه عبر الأبواب المغلقة كانت تدور اجتماعات وصراع رهيب بين مكونات الإسلام السياسي والبحث عن سيناريوهات لإطالة النظام بشكل أو آخر، بالإضافة إلى الاجتماعات التي تمت في هذا الصدد بين رئاسة جهاز الأمن وقيادة المؤتمر الوطني مع بعض عناصر الهبوط الناعم المحسوبة على المعارضة ونداء السودان. وأردف في حديثه لأول النهار، فقد فشلت كل هذه المبادرات، لأن الشارع وقوى الحرية والتغيير قد سبقتهم بلا عودة، وعليه تم سيناريو انحياز اللجنة الأمنية للشارع في 11 أبريل بقيادة وزير الدفاع بن عوف، بعدما عقد صفقة مع الرئيس المخلوع الذي كان لا يملك خياراً إلا أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين لقمع الثورة وقتل الناس، حسب افتراء شيوخ الضلال، غير أن لوبي وزير الدفاع سبق لوبي هارون وعبد الرحيم وربما تكشف الأيام اللوبي الثالث والرابع مع التدخلات الإقليمية بأجنداتها.
5
وعي الشعب السوداني وإدراكه للحيل واستيعابه لألاعيب اللجنة الأمنية اعتبره د. محمد بدر الدين مسؤول العلاقات الخارجية بحزب المؤتمر الشعبي، السهم الذي قصم ظهر الحكام، فتم إسقاط ابن عوف خلال ساعات، ليتوالى إسقاط البعض من باقي المكون العسكري الذين سبقت سيرتهم إلى عقل الثوار بمرور الأيام، وتابع إلا أن الطرف الإقليمي والدولي أبقى بعض المكون العسكري في السلطة الانتقالية هو والدولة العميقة مع علاتها لتبقى حجر عثرة أمام الثورة، وهذا حديث آخر لتقبلها الثوار إلى حين، وختم بالقول الثورة ما زالت حية ومستمرة.
6
الكنداكة ريم أحمد من تجمع المهنيين وصفت الثلاثة أيام الأخيرة من عمر الإنقاذ حتى تاريخ سقوط البشير، بزلزال الشعب، وقالت لأول النهار “نجحت الآلاف الهادرة في التدفق والاحتشاد ومحاصرة مقار الجيش السوداني منذ السادس من أبريل، ﻭﺑﻌﺪ ﻟﻴﺎﻝٍ ﻋﺪﺓ من المقاومة اتخذ الجيش خطوة حاسمة وأعلن عن سقوط البشير بإرادة الشعب والثورة”، وتؤكد أن الإطاحة بالبشير كانت بفعل الثورة وليست انقلاباً.
7
عندما دعا تجمع المهنيين لمليونية السادس من أبريل كان الشعب السوداني في انتظار هذا اليوم بفارغ الصبر، فكانت المليونية ضخمة جدا وكانت قاصمة ظهر بالنسبة للحكومة، وتوقع الجميع أن ينزل البشير من سدة الحكم في ذلك اليوم، بحسب حديث المهندسة نضال عباس، رئيسة مبادرة القومة للوطن، فبوصول المحتجين إلى ساحة الاعتصام بأعداد كبيرة لم يكن هناك حل غير محاصرة البشير بإرادة الثوار، ومنذ يوم السابع حتى العاشر من أبريل التف حول عنقه الطوق وأصبح هناك شغب من الشارع ومن قيادات البشير في الجيش والكيزان. وبالرغم من تأكده بأن الشعب لا يريده ظل يعافر ويتمسك بالحكم، وظنت القيادات أنها خدعت الشعب بإيجاد البديل وهو ابن عوف الذي كان يعلم تاريخه الصغير والكبير.
8
وتتابع نضال القول لأول النهار، إن الشارع كان مدركا تماما لكل السيناريو، ومتوحد تحت قيادة واحدة وهي تجمع المهنيين، ولم يتوان لحظة أنه سوف يسقط البشير، وبدأ الأمل في القلوب كبيراً بأن الرئيس سوف يغادر الحكم فلم تكن مساعي الثورة إسقاط رمز وإنما إزالة حكم بأكمله ما زالت عناصره ضاربة في مفاصل الدولة، وتستمر معه معاناة الشعب.
9
وتضيف نضال: مثلما أزال مؤتمر الخريجين الاستعمار تمكن تجمع المهنيين من إزالة الإنقاذ بالعلم والفهم، وأشارت إلى أن كل الأجيال التي كانت موجودة في الشارع متعلمة وثورية لا تفوت عليها القصص التي كانت تتناقل حول تدخل حميدتي ودور قوش للإطاحة بالبشير، فالجميع كان على قناعة بأن الثورة سلمية ولا حامي لها وقادها التجمع، وكان هناك رفض لتبديل عسكري بعسكري أو قاتل بقاتل، فالطموحات كانت كبيرة والثقة زائدة في إزالة النظام واستبداله بحكم مدني. وأكدت أن انتفاضة السادس من أبريل مثل انتفاضة السادس من أبريل للعام 86م.
10
وترى نضال أن الإطاحة برئيسين خلال 24 ساعة جاء بفضل الإحساس الثوري العالي، وذكاء الشعب الذي لا يمكن خداعه، وهو يعلم تاريخ كل الرموز العسكرية وغيرهم، فبمجرد الإعلان عن تولي ابن عوف مهام الدولة وبذات الطريقة التي رفض بها الشعب حكم البشير، ضجت الشوارع بالمحتجين وهم يرددون العديد من الشعارات، أبرزها “ابن عوف مالو.. ابن عوف وسخان الجابو منو جابوا الكيزان”. كما تحدى الشارع قراره الأول والأخير بفرض حظر التجوال في ظل إعلاء الأصوات “لن يحكمنا يوم واحد”، وبالفعل تمكنت إرادة الشعب من الإطاحة برئيسين في فترة وجيزة.
11
وأشارت نضال إلى أن الثوار والشعب كانوا يملون الحراك في الشارع، وكان الجميع متفقا تماما بأنه لا يريد لا البشير أو حكم العسكر، حتى أن العصيان المدني الذي نفذ جاء بإرادة الشارع والثوار واستجاب لهم التجمع كقائد، وأضافت سبق سقوط النظام سجال شهده الشارع ما بين مناوشات العسكر والثوار إلى أن تصاعدت وتيرة الثورة بعد طرق أبواب البيوت من قبل الثوار وهم ينادون المواطنين ويهتفون “يا الفي البيوت الناس بتموت”، إلى أن كثرت الجموع وقويت شوكة الشعب وجاءت مليونية لا تصدق وأطاحت بالإنقاذ بالتالي أصبح اعتصام القيادة هو الملاذ لاسترداد الحقوق ونيلها، وتؤكد أن اختيار القيادة كان صحيحاً زادت فيه الحشود قبل إزالة الحكم بثلاثة أيام، وذلك خلق الثقة المتبادلة بين الناس وفي المعلومات المتداولة وأصبحت الروح الثورية عالية حتى يومنا هذا.