الخبز يعود إلى دائرة الخطر.. هل تعيد أسعار الدقيق شبح 2019 إلى موائد السودانيين؟

تقرير : رحاب إبراهيم

لم يكن الخبز في السودان يوماً مجرد سلعة على موائد الأسر فقد ارتبط في الذاكرة السياسية والاقتصادية للبلاد بأحد أكبر التحولات التي شهدها السودان خلال العقود الأخيرة، عندما أسهمت أزمة الخبز وارتفاع الأسعار وتفاقم الضغوط المعيشية في إشعال الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر 2018، وانتهت في أبريل 2019 بسقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير رغم ان قطعة الخبز كانت انذاك بسعر واحد جنيه اي عشرة قطع بسعر ألف جنيه.

وبعد سنوات يعود الخبز مجدداً إلى دائرة الضغوط، ولكن هذه المرة وسط اقتصاد أنهكته الحرب وتراجع قيمة الجنيه السوداني، وأزمات متكررة في الكهرباء والخدمات وارتفاع تكاليف الإنتاج، بينما يلوح أصحاب المخابز بإمكانية وصول سعر القطعة الواحدة إلى 500 جنيه، في وقت كان فيه المواطن خلال الأشهر الماضية يحصل على ثلاث قطع بألف جنيه.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع ارتفاع تكلفة مدخلات صناعة الخبز، وفي مقدمتها دقيق الخبز، وسط تحركات حكومية لبحث إمكانية تثبيت سعر الرغيف، في محاولة للحيلولة دون انتقال الزيادة في تكلفة الإنتاج كاملة إلى المستهلك.

تطويق الأزمة…..

وفي محاولة لاحتواء تداعيات ارتفاع أسعار الدقيق وتكاليف إنتاج الخبز، أعلن وكيل وزارة الصناعة، د. عوض سلام، عن انخفاض سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً من 104 آلاف جنيه إلى 87 ألف جنيه، على أن يصل إلى المخبز بهذا السعر.

وأكد سلام أن اجتماعاً سيُعقد قريباً مع أصحاب المخابز لبحث تثبيت سعر الرغيف، معرباً عن أمله في أن يتمكن المواطن من الحصول على أربع أو خمس قطع خبز بألف جنيه، مع إخضاع المخابز لمتابعة دورية بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين.

وتأتي تحركات وزارة الصناعة بالتزامن مع قرارات والي ولاية الخرطوم بإعفاء المخابز من الرسوم الولائية والمحلية، باستثناء رسوم الصحة، في محاولة لتخفيف العبء عن القطاع ودعم استمراره في الإنتاج.

لكن الإجراءات الحكومية تضعها أمام معادلة صعبة: حماية المستهلك من زيادة جديدة في سعر الخبز، وفي الوقت ذاته ضمان عدم تعرض المخابز لخسائر قد تدفع بعضها إلى تقليص الإنتاج أو التوقف.

انخفاض الدقيق تكلفة ثابته ……

وبحسب أصحاب المخابز، فإن الحديث عن بيع أربعة أرغفة بألف جنيه لم يعد واقعياً في ظل الارتفاع الكبير في تكلفة الإنتاج، مشيرين إلى أن سعر الدقيق ليس المدخل الوحيد الذي تتحمله المخابز.

وقال الحسن حيدر صاحب مخبز إن سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلو تجاوز 100 ألف جنيه، موضحاً أن تكلفة الجوال الواحد تتوزع على عدد كبير من المدخلات.

وأشار إلى أن تكلفة لوح الثلج تصل إلى 40 ألف جنيه، بينما تبلغ أجور العمال نحو 40 ألف جنيه للجوال، ويصل الجاز إلى نحو 13 ألف جنيه للجوال، والخميرة إلى 11 ألف جنيه، والأكياس إلى 9 آلاف جنيه، فيما يبلغ سعر قنطار الحطب نحو 25 ألف جنيه.

وتضاف إلى ذلك تكلفة تشغيل المولدات بسبب انقطاع الكهرباء، إلى جانب أعمال الصيانة الدورية للعجانات والأفران، الأمر الذي يجعل تكلفة إنتاج الرغيف متحركة بصورة مستمرة.

أصل الأزمة….

وفي المقابل، يرى صابر السر، ممثل ملاك المخابز، أن معالجة الرسوم والجبايات وحدها لن تؤدي إلى خفض سعر الخبز، موضحاً أن الرسوم الولائية والمحلية ذات طبيعة سنوية، بينما تتغير تكلفة إنتاج الخبز بصورة يومية.

وقال إن صناعة الخبز تعتمد على مدخلات متعددة، وإن تكلفة العجين الواحد تتأثر بالزيادات المتلاحقة في أسعار تلك المدخلات، الأمر الذي يجعل تكلفة الإنتاج تتضاعف بصورة متسارعة.

وأشار إلى أن الحديث عن انخفاض أسعار الدقيق يحتاج إلى تدقيق، موضحاً أن بعض المنتجات التي شهدت انخفاضاً في السعر لا تمثل بالضرورة الدقيق الأساسي المستخدم في صناعة الخبز.

وبيّن أن المنتج الذي انخفض سعره يتميز بارتفاع نسبة الألياف والاستخلاص، وبالتالي فإن استخدامه في صناعة الخبز ليس بنسبة كاملة، بينما لا تزال أسعار المنتجات الأخرى الداخلة بصورة أساسية في صناعة الخبز على حالها، متوقعاً استمرار الضغوط على أسعارها.

قلب المعادلة…..

بالنسبة للمواطن لا تبدو أزمة الخبز منفصلة عن بقية الأزمات الاقتصادية فانخفاض قيمة الجنيه السوداني يرفع أسعار السلع، وانقطاع الكهرباء يضيف تكلفة جديدة على الإنتاج، فيما تنعكس زيادة الوقود والخميرة والعمالة ومواد التعبئة والنقل في النهاية على أسعار الغذاء.

ومع وصول سعر ثلاث قطع من الخبز إلى ألف جنيه خلال الفترة الماضية، فإن انتقال السعر إلى 500 جنيه للقطعة الواحدة يعني أن الأسرة السودانية ستواجه عبئاً إضافياً على واحدة من أكثر السلع استهلاكاً يومياً.

وبذلك يعود الرغيف إلى الواجهة الاقتصادية من جديد، حاملاً معه ذاكرة ثقيلة من عام 2019، لكن في واقع مختلف وأكثر تعقيداً واقع تحاول فيه الأسر والمخابز والحكومة جميعاً التعامل مع اقتصاد أنهكته الحرب، بينما يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة السوق على استيعاب موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، دون أن يدفع المواطن وحده ثمنها.

التعليقات مغلقة.