الخرطوم – عثمان الأسباط
ألهمت مدن ونواحي سودانية بعيدة من مركز السلطة والسياسية في العاصمة الخرطوم الكثيرين بالانخراط في الحراك الثوري ضد الحكومة في ديسمبر 2018 للمطالبة بتنحي البشير في أعقاب تردي الأوضاع الاقتصادية بالبلاد٠
لكن مدينة عطبرة في شمال السودان كانت هي الايقونة التي دار حولها فلك المعجبين من فعلها الثوري، مدينة الحديد والنار ربما تغيرت معالمها كثيرا عن الحقب التي نظم فيها الشعراء روائع القصيد وغنى لها فنانين ابهرهم جمالها٠
لكنها في العمق ظلت هي ذاتها محطة الوطن الكبير لعراقتها وتاريخها النقابي المعروف وبالتالي من الطبيعي أن تبدأ من أرضها حكاية ثورة بكل تفاصيلها المبهرة٠
في التاسع عشر من ديسمبر العام الماضي خرجت أول مظاهرة لتلاميذ مدرسة “عطبرة الفنية” الذين رفضوا رفع سعر “الخبز” وامتدت إلى كل الفئات العمرية لمطالب أكبر كانت مؤجلة منذ عقود، وكان قدر عطبرة” أن يكون أبناؤها أول من سقطوا برصاص الأمن في المظاهرات كتبت تاريخا جديدا للسودان٠
تحتضن مدينة الحديد والنار مركز السكة حديد، الاقرب لاشعال كل الثورات في السودان، تاريخ حافل لأكبر نقابة عمالية في البلاد، انطلقت منها شرارة حرق المقر السياسي لحزب المؤتمر الوطني المحلول٠
قطار عطبرة هو أكثر من مجرد وسيلة نقل تربط بين المدينة وبقية مدن السودان، فهو تاريخ لنضال ضد الدكتاتورية خلال كل المحطات السياسية، تحرك آلاف المحتجين باتجاه الخرطوم يوم مراسم التوقيع الرسمي على الاتفاق السياسي كان في انتظارهم استقبال يليق بالأبطال بعد أن أصبح هذا القطار من أيقونات الثورة التي أعادت الأمل للأجيال٠
يقول النقابي علاء نصر الدين ل (أول النهار) : عطبرة بطبيعتها مدينة عمالية، وعرفت الخروج إلى الشوارع ضد الظلم والطغاة منذ تاريخ طويل، ويضيف : خلال ثورة ديسمبر المجيدة ظهر جيل جديد من أبناء نقابيي السكة الحديد اهدي السودان انتفاضة ساهمت فيما بعد في سقوط نظام المخلوع٠
واعتبر علاء ما حدث من انتفاضة في المدينة بتاريخ “20” ديسمبر، نتاج طبيعي قام به أبناء الطبقة العمالية الذين طالت مجازر الفصل التعسفي آبائهم من هيئة السكة حديد، وما نتج عنه من تدمير للناقل الوطني، مشيرا إلى أن شباب المدينة لعبوا دورا مؤثرا في الحراك الثوري ولم يكترثوا للعنف المفرط من السلطات الأمنية، وتابع : كنا نحدث أبناءنا عن العصر الذهبي لمدينة عطبرة ورغد الحياة فيها إلى جانب توافر الخدمات وغيرها من المؤسسات والمشافي التي أُنشئت إبان نهضة المدينة الحديثة عقب اختيارها مقرا لهيئة سكك حديد السودان٠
ولفت علاء إلى أن الشباب شاهدوا بالفعل مؤسسات ضخمة ينعق فيها البوم، وآلت إلى خراب جراء السياسات الرعناء لحكومة المخلوع فكان من الطبيعي أن تقوم ثورة شعبية من مدينة النضال٠
عطبرة التي تقع في ولاية نهر النيل، وتبعد باتجاه الشمال عن العاصمة الخرطوم بحوالي (310) كيلو مترات، ارتبطت ارتباطا وثيقا بتاريخ السكك الحديدية في السودان وتاريخ الحركة النقابية السودانية، وقد وظف معظم سكان المدينة في الهيئة، وبلغ عددهم نحو (120) ألف عامل، لكن خلال سنوات حكم الرئيس الأسبق، جعفر نميري، وحكم البشير، عملت الحكومتان على كسر شوكة النقابات ذات الارتباط الوثيق بالحزب الشيوعي السوداني، وجرى تدمير لقطاع السكة الحديد بالكامل٠