مأمون حميدة يروي سيرة طبيبٍ ظل متمسكاً بالمهنة والعلم والدين.. وأدخل المناظير إلى السودان
في زيارة حملت الكثير من الذكريات واستعادت صفحات من تاريخ الطب السوداني، زار البروفيسور مأمون حميدة الدكتور بشير محمد عثمان أرباب، المعروف باسم د. بشير أرباب، اختصاصي الباطنية والجهاز الهضمي، في منزله بالرياض مربع (9)، برفقة أسرته.
ولم تكن الزيارة مجرد لقاء عابر بين طبيبين جمعتهما سنوات طويلة من العمل، وإنما كانت عودة إلى ذاكرة جيل كامل من الأطباء الذين وضعوا اللبنات الأولى للطب الحديث في السودان، وتركوا بصماتهم في المستشفيات والجامعات وبين أجيال الأطباء.
ويشير حميدة إلى أنه وجد د. بشير أرباب، بحمد الله، في حالة صحية جيدة، متحركاً، محتفظاً بذاكرة متقدة وذكاء حاضر وحديث طيب كما عهده دائماً.
وظل د. بشير أرباب طوال سنوات الحرب موجوداً في منزله، برفقة زوجته وأبنائه، ومن بينهم ابنه الطبيب د. عثمان بشير، ولم يغادر منزله طوال تلك الفترة. وكان للأسرة، بحسب شهادة حميدة، دور كبير في إدارة ومساعدة السودانيين عبر المركز الذي أنشأته وزارة الصحة في المسجد القريب من المنزل، ليقدم خدماته للناس في واحدة من أصعب فترات الحرب.
وخلال الزيارة، استعاد د. بشير أرباب ذكريات السنوات الطويلة التي عانى فيها السودانيون من الحرب، وأبدى دهشته من أن تصل الحرب إلى هذا المستوى من استهداف الإنسان وممتلكاته، في مشهد يعكس حجم الألم الذي عاشه السودانيون خلال تلك الفترة.
من دفعة صنعت تاريخاً في الطب السوداني
ينتمي د. بشير أرباب إلى جيل يُنظر إليه باعتباره من الأجيال المؤسسة للطب السوداني الحديث. فقد تخرج في كلية الطب بجامعة الخرطوم عام 1962، ضمن دفعة ضمت عدداً من الأطباء الذين أصبحوا لاحقاً من الأسماء البارزة في مجالات الطب والتعليم الطبي، من بينهم د. عبد الرحمن موسى، ود. الشيخ محجوب، ود. عبد الدائم كشان، ود. عبد الرحمن التوم، ود. عثمان محمود حسنين وآخرون.
وكانت تلك الدفعة، وفق شهادة حميدة، نموذجاً لجيل ارتبط بالمهنة ارتباطاً عميقاً، فلم يكن الطب بالنسبة إليه مجرد وظيفة، وإنما رسالة تقوم على العلم والتعليم وخدمة المرضى.
ويقول حميدة إن أفراد ذلك الجيل نجحوا في الجمع بين الممارسة الطبية والتعليم، وأسهموا في وضع لبنات أساسية في كلية الطب بجامعة الخرطوم وفي منظومة الصحة السودانية عموماً، ليشكلوا جيلاً تالياً للرواد الأوائل، وفي مقدمتهم البروفيسور داؤود.
عنبر B1.. حيث كانت مدرسة الطب
تعود ذاكرة حميدة مع د. بشير أرباب إلى سنوات العمل في مستشفى الخرطوم، وتحديداً إلى عنبر B1، المعروف بالعنبر الرئيسي للبروفيسور داؤود.
وكان أرباب من المقربين إلى البروفيسور داؤود، لما عُرف عنه من علم ومعرفة وأدب ودين. وكان داؤود، بحسب رواية حميدة، كثيراً ما يوجه الأطباء للاتصال بأرباب والاستفادة من رأيه في الحالات المستعصية.
وفي الاجتماعات الإكلينيكية كان السؤال يتكرر:
«يا بشير، رأيك شنو؟»
وكان ذلك السؤال في حد ذاته شهادة على المكانة العلمية التي احتلها الطبيب الشاب آنذاك بين أساتذته وزملائه.
ويقول حميدة إنه عمل مع أرباب أولاً طبيب امتياز، ثم نائباً للاختصاصي، باعتبار أن وحدة البروفيسور داؤود كانت وحدة مشتركة. وكانت المنافسة بين النواب وأطباء الامتياز تدور حول سرعة إجراء الفحوصات والتدخلات الطبية للمرضى.
لكن ما ميز بشير أرباب، كما يقول حميدة، كان قدرته الاستثنائية على التشخيص في زمن لم تكن فيه وسائل الفحص الحديثة متاحة بالصورة التي نعرفها اليوم.
«بيده في بطن المريض يجد ما لا يحسه غيره»
كان أرباب من الأطباء الذين يعتمدون بصورة كبيرة على الاستماع الدقيق إلى المريض، وملاحظة الأعراض والعلامات، ثم الفحص السريري.
كان يستمع إلى شكوى المريض، ويصغي إلى قلبه، ويفحص بطنه بيد الطبيب الخبير، وفي كثير من الأحيان يصل إلى التشخيص قبل أن تتوافر نتائج الفحوصات.
ويصف حميدة تلك القدرة بأنها واحدة من أهم سمات الجيل الأول من الأطباء الذين تعلموا الطب في زمن كانت فيه أدوات التشخيص محدودة، فكان الطبيب يعتمد على معرفته السريرية وخبرته وملاحظته الدقيقة.
ويروي واقعة بقيت في ذاكرته، حين كان طبيب شاب متميز يُدعى حسب الرسول صديق علي يعمل نائباً مع د. بشير أرباب.
جاءت إلى الوحدة حالة يُشتبه في إصابتها بالدرن في البطن أو الغشاء البريتوني. وبعد أن استمع أرباب إلى وصف الحالة وفحص المريض، وضع يده على بطنه، ثم قال إن المريض يعاني من الدرن في البطن.
أُخذت العينات وأجريت الفحوصات اللازمة، وجاءت النتيجة مؤكدة لتشخيصه.
وحين سأله حسب الرسول صديق:
«يا دكتور بشير، عرفتها كيف؟»
أجابه أرباب ببساطة شديدة:
«شميتها شم».
كانت العبارة، على بساطتها، تختصر مدرسة كاملة في التشخيص السريري؛ مدرسة الطبيب الذي راكم المعرفة والخبرة حتى أصبح قادراً على التقاط تفاصيل قد لا يلتفت إليها غيره.
من علم الأعصاب إلى الجهاز الهضمي
كانت رحلة بشير أرباب العلمية مختلفة أيضاً.
فقد ابتُعث إلى بريطانيا للتخصص في علم الأعصاب، وكان البروفيسور داؤود يختار الأطباء النابهين لهذا المجال. إلا أن أرباب، بعد أن عمل في بريطانيا، لم يجد التخصص في ذلك الوقت مناسباً له، بسبب محدودية وسائل التشخيص المتاحة في علم الأعصاب آنذاك.
كان علم الأعصاب في تلك المرحلة يعتمد بدرجة كبيرة على الفحص الإكلينيكي، قبل أن تحدث الثورة الكبيرة في وسائل التشخيص، مع دخول الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي ورسم المخ وغيرها من التقنيات.
لذلك غيّر أرباب مساره واتجه إلى أمراض الجهاز الهضمي، ليصبح لاحقاً أحد أبرز رواد هذا التخصص في السودان.
«أبو الجهاز الهضمي» في السودان
يصف حميدة د. بشير أرباب بأنه من أبرز رواد طب الجهاز الهضمي في السودان، بل يصفه بأنه «أبو الجهاز الهضمي في السودان».
ولم يقتصر إسهامه على الممارسة الطبية، وإنما امتد إلى إدخال تقنيات المناظير إلى البلاد في وقت كانت فيه هذه التقنيات في بداياتها.
فقد كانت له عيادة مع الجراح د. محمد أحمد حسن في عنبر D2، وهو عنبر الجراحة التابع لجامعة الخرطوم، حيث بدأ استخدام المناظير في فحص الجهاز الهضمي بوسائل كانت مختلفة تماماً عن التقنيات الحديثة المتاحة اليوم.
ويشير حميدة إلى أن أرباب استخدم في البداية المنظار الصلب Rigid Endoscope، قبل الانتقال لاحقاً إلى المنظار المرن Flexible Endoscope، مع تطور التكنولوجيا الطبية.
وهكذا لم يكن الرجل مجرد طبيب يمارس تخصصه، وإنما كان جزءاً من التحول الذي شهده الطب السوداني في مجال تشخيص أمراض الجهاز الهضمي.
الأبيض.. محطة أخرى في مسيرته
عمل د. بشير أرباب اختصاصياً للباطنية في مدينة الأبيض، ويرجح حميدة أنه كان من الذين أسهموا في تأسيس قسم الباطنية وتطويره بالصورة التي أصبح عليها لاحقاً.
وفي تلك الفترة عمل إلى جانب عدد من الأطباء المتميزين، من بينهم الجراح د. عبد الدائم كشان، الذي عُرف أيضاً بتعدد مهاراته الطبية وممارسته للجراحة العامة وجراحة العظام.
وكان ذلك الزمن، بحسب حميدة، من فترات الازدهار المهني والعلمي التي ترك فيها الأطباء بصمات واضحة في المستشفيات خارج الخرطوم أيضاً.
طبيب لم تغره المناصب
يرى حميدة أن ما يميز بشير أرباب ليس علمه الطبي فقط، وإنما تمسكه بالمهنة طوال حياته.
ففي وقت اتجه فيه عدد من الأطباء إلى مجالات السياسة والعمل الاجتماعي والإداري وغيرها، ظل أرباب متمسكاً بالطب.
«كان طبيباً بمعنى الكلمة.. ولد ليكون طبيباً، وتدرب ليكون طبيباً، وظل طبيباً مدى حياته»، يقول حميدة.
ويرى أن هذا الالتزام جعل منه معلماً لأجيال متعاقبة من الأطباء، وأن علمه لم يتوقف عند حدود ما تلقاه، وإنما انتقل إلى تلاميذه وزملائه وأسرته.
ومن أبرز امتداد هذه المدرسة الطبية ابنه د. عثمان بشير، الذي تخصص أيضاً في الباطنية وظل يعمل مع والده في العيادة، ليتعلم على يد والده الذي يصفه حميدة بأنه «المعلم الأكبر».
بين المصحف وكتب التفسير
ربما كانت أكثر لحظات الزيارة تعبيراً عن شخصية بشير أرباب هي تلك التي وجد فيها حميدة الطبيب الكبير جالساً وبجواره مصحف كبير وكتب في التفسير.
سأله حميدة عن كيفية قضاء وقته في هذه المرحلة من حياته، فأشار أرباب إلى المصحف والكتب وقال:
«أقضي وقتي بين هذا وذاك».
بين العلم الذي أفنى فيه حياته، والقرآن الذي ظل قريباً منه؛ صورة تختصر جانباً مهماً من شخصية الطبيب الذي عُرف بالتدين والتواضع والخلق الرفيع، ولم يتخل عن فرائضه وسننه رغم سنوات العمل الطويلة في الطب.
ذاكرة طبيب.. وذاكرة وطن
زيارة د. مأمون حميدة لبشير أرباب لم تكن مجرد زيارة اجتماعية، وإنما كانت استعادة لسيرة رجل يمثل، في نظره، مرحلة كاملة من تاريخ الطب السوداني.
مرحلة كان فيها الطبيب يعتمد على العلم والكتاب والخبرة والملاحظة والفحص السريري، وكان الأستاذ يرى في تلميذه مشروع عالم، وكان الطبيب يرى في نقل المعرفة إلى الأجيال جزءاً من رسالته.
وهي أيضاً شهادة على جيل من الأطباء الذين أسسوا أقساماً طبية، وعلّموا أجيالاً، وأدخلوا تخصصات وتقنيات جديدة إلى السودان، وظلوا مرتبطين بالمهنة حتى بعد أن تغيرت الحياة من حولهم.
وفي ختام زيارته، عبّر حميدة عن سعادته الكبيرة بالاطمئنان على صحة بشير أرباب، وزوجته السيدة سعاد، وشقيق زوجته صالح، الذي عمل معه في المركز الطبي الحديث.
ويختتم حميدة تحيته لبشير أرباب، ولكل رموز ذلك الجيل، بالتأكيد على أهمية حفظ هذه السير وتوثيقها، حتى يعرف طلاب الطب والباحثون والأجيال الجديدة أسماء الذين وضعوا اللبنات الأولى التي يقفون عليها اليوم.
فالتاريخ الطبي لا يُكتب فقط بأسماء المستشفيات والاكتشافات، وإنما يُكتب أيضاً بسير الأطباء الذين عاشوا للعلم، وعلموا أجيالاً، وتركوا وراءهم أثراً يتجاوز أعمارهم.
التحية لبشير أرباب.. والتحية لكل رموز ذلك العهد الذهبي من أطباء السودان.
التعليقات مغلقة.