النيل الأبيض.. كنوز زراعية وصناعية تفتح أبواب الاستثمار في السودان
6.5 مليون فدان قابلة للاستغلال الزراعي.. و30 مشروعاً للإنتاج الحيواني وخطط للتوسع في التصنيع والصادر
النيل الأبيض : أول النهار
تتجه ولاية النيل الأبيض إلى تعزيز موقعها على خريطة الاستثمار السوداني، مستندة إلى موارد زراعية وحيوانية واسعة، وموقع استراتيجي يربط شمال البلاد بجنوبها، إلى جانب فرص واعدة في الصناعات التحويلية والنقل والتجارة والصادرات. وفي ظل تحديات إعادة بناء الاقتصاد السوداني، تبرز الولاية بوصفها قاعدة محتملة لتوسيع الإنتاج وتعظيم القيمة المضافة، شريطة تجاوز عقبات التمويل والطاقة والبنية التحتية.
وتشير البيانات الاستثمارية إلى أن نحو 68% من مساحة الولاية، بما يتجاوز 6.5 مليون فدان، قابلة للاستغلال الزراعي، مستفيدة من المياه السطحية والجوفية وتنوع أنماط الزراعة بين المشروعات المطرية والمروية، فضلاً عن توافر الأيدي العاملة والخبرات المحلية.
ولا تقتصر أهمية هذه المقومات على التوسع في الإنتاج الخام، بل تمتد إلى بناء سلاسل إنتاج متكاملة تربط المزارع بمصانع التصنيع والتخزين والتعبئة، وصولاً إلى الأسواق المحلية والخارجية.
يمثل القطاع الزراعي الركيزة الأساسية للاستثمار في النيل الأبيض، إذ تستهدف خطة الموسم الشتوي 2026–2027 زراعة أكثر من 191 ألف فدان، من بينها 120 ألف فدان للقمح، بالتوازي مع التوجه لإنشاء محفظة تمويل ولائية وتوفير 5 آلاف وحدة طاقة شمسية لدعم المشروعات الزراعية المروية.
ويبرز مشروع الطويلة الزراعي بمحلية قلي ضمن المشروعات القابلة للتوسع، مستهدفاً استغلال نحو 1500 فدان لإنتاج التقاوي، بعد تأهيل أربع طلمبات للري، فيما يخدم المشروع 14 قرية، بما يربط النشاط الزراعي بالتنمية المحلية.
كما تمثل مناطق ود الزاكي وقلي والدويم فرصاً لاستقطاب استثمارات جديدة في الإنتاج الزراعي والتقاوي وتقنيات الري الحديث.
وتتمثل الفرصة الأهم في استكمال حلقات الإنتاج، من توفير المدخلات الزراعية إلى التخزين والتبريد والتصنيع والتعبئة، خاصة لمحاصيل القمح والسمسم والفول السوداني، بما يقلل فاقد الإنتاج ويحد من تصدير المواد الخام دون تحقيق عائد اقتصادي كافٍ.
تقدم مدينة كوستي فرصاً للتوسع الصناعي، في ظل مشروعات استثمارية تشمل مصنع سامكو للبلاستيك باستثمار يقدر بنحو 2.5 مليون دولار، ومصنع التومات لتعبئة المواد الغذائية باستثمار يبلغ مليوني دولار، إلى جانب مجمع الضامر لصناعة الصادر، الذي يستهدف إنتاج زبدة الفول السوداني وصمغ الهشاب والزيوت النباتية والأعلاف.
وفي محلية القطينة، يبرز مشروع عثمان سراج لصناعة الحديد والمعادن باستثمارات معلنة تبلغ 120 مليون دولار، ونسبة تنفيذ تصل إلى 92%، مع توقعات بتوفير 266 وظيفة.
أما مصنع سكر النيل الأبيض في ربك، فتبلغ طاقته الإنتاجية المعلنة 450 ألف طن من السكر سنوياً، إلى جانب أنشطة مصاحبة تشمل إنتاج الإيثانول والأعلاف، بما يعزز فرص التوظيف ويربط الصناعة بالإنتاج الزراعي.
وتفتح هذه المشروعات المجال أمام استثمارات إضافية في مطاحن الغلال، واستخلاص الزيوت، وتصنيع الأعلاف، وتعبئة المحاصيل، وصناعة المنتجات الغذائية ومواد التعبئة والتغليف.
ويظل التحدي الأساسي هو الانتقال من تصدير المواد الخام إلى المنتجات المصنعة، بما يرفع القيمة المضافة ويعزز فرص العمل وحصيلة النقد الأجنبي.
تتمتع الولاية بقاعدة كبيرة من الثروة الحيوانية، ازدادت أهميتها مع انتقال أعداد من القطعان من الولايات المتأثرة بالحرب، ما يتيح فرصاً لتطوير الإنتاج الحيواني وربطه بالصناعات الغذائية والصادرات.
وتتضمن خطة الولاية للفترة 2026–2030 تنفيذ 30 مشروعاً في القطاع، من بينها إنشاء أربع مدن للإنتاج الحيواني، إلى جانب مشروعات بيطرية وخدمية لتحسين الإنتاج ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، فيما يبرز مشروع ود الزاكي ضمن المواقع المرشحة لدعم هذا التوجه.
وتشمل الفرص الاستثمارية إنشاء المسالخ الحديثة، ومرافق التبريد، ومصانع اللحوم والأعلاف، والصناعات الجلدية، وتطوير الخدمات البيطرية، بما يسمح بتحويل الثروة الحيوانية إلى منتجات ذات قيمة تصديرية أعلى.
تمثل كوستي مركزاً مهماً لتجميع وتسويق المنتجات الزراعية والحيوانية، مع توجه لتطوير بورصة للصادرات تسهم في تنظيم حركة المحاصيل النقدية وربط المنتجين بالأسواق الخارجية.
وشهدت الولاية تصدير شحنة أولى تبلغ ألف طن من الصمغ العربي والسمسم الأبيض إلى إنجلترا وتونس والجزائر عبر شركة نوريس العالمية، فيما تشير البيانات الاستثمارية إلى استهداف الولاية الإسهام بنحو 67% من صادرات الصمغ العربي السوداني.
ويتطلب تعزيز هذه الفرص تطوير مراكز التجميع والفرز والتخزين، وتحسين خدمات الجودة والتصنيف، وإنشاء مرافق حديثة للصادرات الحيوانية، بما يشمل المسالخ والتبريد وتصنيع اللحوم والجلود.
رغم تنوع الفرص، تظل كفاءة البنية التحتية عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الولاية على جذب الاستثمارات. وتشمل المشروعات الجاري تنفيذها طريق كوستي–الزليط وميناء كوستي البري، ضمن مشروعات شركة زادنا، إلى جانب طريقي شكيري وشبشة ومشروعات المياه والكهرباء.
كما شهدت الولاية تدشين شبكة مياه تندلتي بطول 18 كيلومتراً، بتمويل من بنك التنمية الأفريقي وتنفيذ منظمة الهجرة الدولية، ضمن خطة تستهدف التوسع في شبكات المياه بأكثر من 78 كيلومتراً في محليات تندلتي وربك والدويم والجبلين.
وتشمل المشروعات كذلك كهرباء منطقة الشاتاوي ودعم محطات المياه والطاقة، بما يسهم في تحسين الخدمات الأساسية وتهيئة البيئة للنشاط الإنتاجي.
غير أن استمرار الإمداد الكهربائي، وخفض تكاليف النقل، وتحسين الطرق بين مناطق الإنتاج ومراكز التصنيع والتصدير، تظل تحديات أساسية أمام المستثمرين.
تتيح قوانين الاستثمار الاتحادية والولائية، وفق الضوابط المعتمدة، حوافز تشمل إعفاءات جمركية على الآلات والمعدات، وإعفاءات ضريبية بحسب طبيعة المشروع وتصنيفه، فضلاً عن إمكانية تخصيص الأراضي للمشروعات الاستراتيجية وتسهيل الإجراءات عبر النافذة الواحدة بمفوضية الاستثمار.
وتشمل الضمانات القانونية حماية الاستثمارات من التأميم والمصادرة غير المشروعة، وتنظيم تحويل الأرباح ورؤوس الأموال وفق القوانين واللوائح النافذة.
وتبدأ الإجراءات بتقديم طلب إلى مفوضية الاستثمار بالولاية في ربك، يتضمن طبيعة المشروع وحجمه وموقعه المقترح، ثم إعداد دراسة الجدوى واستكمال الموافقات الفنية وتخصيص الأرض واستخراج الترخيص الاستثماري.
لكن فاعلية هذه الحوافز ترتبط بسرعة الإجراءات ووضوح تخصيص الأراضي واستقرار السياسات وتوفير بيانات دقيقة ومحدثة عن الفرص الاستثمارية، إلى جانب معالجة فجوات التمويل وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل ومحدودية التخزين والتبريد.
تبدو الصناعات التحويلية المرتبطة بالإنتاج الزراعي والحيواني من أكثر المجالات قابلية لاستقطاب الاستثمارات، خاصة استخلاص الزيوت، وتصنيع الأعلاف، وتعبئة السمسم والفول السوداني، ومعالجة الصمغ العربي، وتخزين وتصنيع المنتجات الغذائية.
وتتيح هذه المشروعات الاستفادة من المواد الخام المحلية، وتقليل فاقد الإنتاج، وخلق فرص عمل، وبناء روابط اقتصادية بين المزارعين والمنتجين والمصانع وشركات التصدير.
كما تمثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص مدخلاً لتطوير الموانئ والطرق والطاقة ومرافق التخزين، بالتوازي مع تشجيع الاستثمار في الطاقة الشمسية والري الحديث والتقنيات الزراعية.
وتملك ولاية النيل الأبيض مقومات تؤهلها للقيام بدور اقتصادي يتجاوز الإنتاج الزراعي التقليدي، لكن تحقيق ذلك يتطلب تحويل الموارد إلى مشروعات منتجة، وربط الإنتاج بالتصنيع والتسويق والتصدير، ضمن بيئة استثمارية أكثر كفاءة واستقراراً.
وبهذا التحول، يمكن للولاية أن تصبح مركزاً للإنتاج والتصنيع والتجارة الإقليمية، يسهم في دعم الأمن الغذائي وتعزيز الصادرات وفتح مسارات جديدة لإعادة بناء الاقتصاد السوداني.
التعليقات مغلقة.