عمر شيخ الدين يكتب…شول منوت وردة لم تكمل الإزهار

ابنوسي المحيا ، خليط الغابات والصحاري . عجين الدهشة الأخيرة . مزيج الانصهار الفريد . شكل بروزه الواضح ضمن سلسلة مسابقات نجوم الغد اضافة نوعية للساحة الفنية ، فتي الجنوب يغني للقلوب بلسان عربي مبين وصوت عذب رصين . طغى أداؤه المميز علي افئدة الناس فأحبوه . يغني وكأنه عين يتفجر عنها الماء للتو، وكأنه شمس في لحظة إشراقها الأولي. يحشد كل احساسه في جوف الأغنية ، يعطيها أقصى ما يملك من حب ودفء وحنين ثم يرسل صوته الأليف ليخترق فوضات الفضاء ويحيلها الي أنغام منسجمة منتظمة.

أراقب ذلك كله وخيالي ينتظر نجومية لا عادية يحققها ذلك الأبنوسي العتيد في مستقبل الأيام . لتميزه ألحقته بالعمالقة العظام فكذلك هم يبدأون مسيرات مشاويرهم الفنية . ومن بين ركام الذكريات وكثافة ارتباكات الواقع خرج الناعي ينعاه ، ينعي شول منوت ذلكم المغني الواعد _يا للهول ؟! اللهم أرحمه.

كنت انظر لتجربته بقلق شديد ، انتظر منه دورا محوريا في تقوية صلاتنا مع ضفتنا الاخري في الجنوب واخاف عليه من شر الأقدار فالفلتات قابلة للتلاشي اكثر من الاستمرار لكنها تترك الأثر علي أي حال.

هاهو قد رحل وتبخرت تلك الأحلام ، أحلامي المنفعلة امتدادًا الي مستقبل أفضل يربطنا بأشقائنا في الجزء الجنوبي من القلب ، قلب الوطن الكبير . رحل ، كان وردةقطفت قبل ان تكمل أزهارها البديع . كان جسرًا خاصًا يربط الأوردة ويشبك الأرواح ، ارواحنا المجتمعة في حلقة واحدة .

احب الغناء نعم لكني لا اشتهيه الا لماما ، شول هو واحد من أولئك المغنين الذين احترفوا فتح شهيتي الي الغناء .

ثمة اغنيات لا بد ان تغني ومسارح يجب ان يغني عليها وأفئدة يجب ان يطربها … لكن !

لكنه رحل ، تسربل من بين اهمالاتنا العجيبة ، أخذ يبعد عنا شيئا فشيئا حتي انطفأ . ظل يغيب ويغيب حتي تلاشي . اشعر بوجع حاد في عمق قلبي جراء هذه الميتة الحزينة ، الا تتحرك إنسانيتنا تجاهه لتنقذه من المرض وتخبئه من الموت . فعل بسيط كان يكفي لكنها اللامبالاة . نحن هكذا لا ننتبه الا عندما نقف امام الامر الواقع من فقدنا للدرر الجوهرية والإمكانات المهمة .

كان ممكنا ان نخلق من شول منوت مشروعا للوحدة الوطنية ،للحب السرمدي بين الضفتين ،للتواصل الأبدي بين الشعبين .. لكن ..لكننا بأهمالنا فقدناه ،
ففقدت الساحة الفنية عنصرًا مهمًا وخاصًا من عناصرها الجميلة.

لقد رحل شول منوت ، لم يرحل وحده لقد تبخرت مع رحيله الأليم ألوانًا من أحلامي الطموحة وخيالاتي
المتأملة . رحل ، احس وكأن قد رحل معه كل شيء وكأننا قد رحلنا معه جميعا ، عفوا فموته يؤشر لموت كل الضمائر
.
شول .. برحيلك تكون قد دخلت في رحمة الله ..فلترقد روحك المبدعة بسلام

 

التعليقات مغلقة.