في مطلع العام ١٩٨٩ .. نعم اعني ما اقول ١٩٨٩.. كانت الفوضي تضرب ارجاء الوطن .. اضرابات واضطرابات .. تظاهرات واحتجاجات .. مواكب ومسيرات .. تحريض وتهديد .. كان احساسي ان جهة ما تهييء المسرح لامر ما .. و لأنني كنت اشغل مساحة محترمة في أخيرة الايام .. احدي اهم صحفنا وفي اوج انتشارها و تأثيرها .. بقيادة الراحلين الاستاذ بشير محمد سعيد والاستاذ محجوب عثمان .. ثم عميد الصحافة السودانية الاستاذ محجوب محمد صالح .. متعه الله بالصحة و العافية .. ومتع الوطن بعطائه .. فقد وظفت تلك المساحة فى كتابة ثلاثة اعمدة بعنوان .. ( ديمقراطية بلا انياب .. زائلة ولا شك )
كانت خلاصة فكرتي .. ان الديمقراطية التي تعجز عن صياغة قوانين .. تحمي هذه الديمقراطية نفسها .. وتعجز عن تأسيس مؤسسات تقوم علي انفاذ تلك القوانين لحماية تلك الديمقراطية .. فلتنتظر اجلها المحتوم .. وفي غضون ستة اشهر .. كانت توقعاتي تمشي امامي علي الارض .. حين استيقظت ذات صباح علي وقع انقلاب الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ ..!
و لأن المشهد الان يكاد يطابق حذو كالنعل.. وقائع مطلع ذلك العام .. و ربما بصورة اكثر بشاعة و اسود قتامة .. فقد كان طبيعيا ان انتهز فرصة اول لقاء لي مع الدكتور عبدالله حمدوك رئيس الوزراء .. ضمن اخرين .. وهذه سانحة اشكره فيها واشكر مكتبه علي تشريفي بتلك الدعوة .. لأواجهه بهواجسي هذه .. وختمت حديثي بالقول لرئيس الوزراء .. عليك بالشرطة وتأهيلها.. فهي سبيلك الاوحد .. ولم يكن مفاجئا لي ان اجده مشغولا بذات الهواجس .. و مؤمنا علي ما قلت .. قال ان الاهتمام بالشرطة وكيفية دعمها وتأهيلها يشغل حيزا مقدرا من وقته .. ولم يكن مفاجئا لي .. ايضا .. ان يطلب السفير عمر مانيس وزير رئاسة مجلس الوزراء فرصة للتعقيب علي ما قلت .. مشددا علي مصطلح .. الانياب .. باعتبارها المظهر لتكريس هيبة الدولة .. والمدخل لتأسيس دولة القانون .. كانت مفاجأتي ستكون كبيرة .. لو انني اكتشفت ليلتها .. ان الامر ليس ضمن انشغالات الرجلين ..!
ولعل واحدة من اكثر القضايا التي طرحت تساؤلات ملحة عن هيبة الدولة .. وعن قدرتها علي بسط سلطانها .. كانت مسألة حظر التجوال المفروض من اعلي سلطة أمنية في البلاد .. وهي مجلس الامن والدفاع .. فرغم اكتظاظ الخرطوم من كل اطرافها بنقاط الارتكاز التي تجاوزت المائتين .. ظل التجوال في ظل حظر التجوال .. هو السمة التي تتسيد المشهد .. وليت الامر وقف عند ذلك التجوال الفردي الذي يظل محسوبا علي السلوك الفردي .. و لكن الاسوأ والاخطر .. كان ذلك الحراك الجماعي .. الذي تقوده جماعة سياسية معروفة .. معروفة بعدائها للنظام السياسي القائم .. و معروفة بعدائها لاي سلوك ديمقراطي .. و المفارقة ان بعض ذلك الحراك الجماعي كان هدفه تفنيد وجود وباء كورونا في السودان اصلا .. و ما اشبه الليلة
بالبارحة ..؟؟!!
بالطبع لا احد يتحدث عن اجراءات استثنائية .. ولا احد يطالب بقوانين قمعية .. و لا احد يرحب باعادة انتاج مؤسسات ياخذ افرادها القانون .. لا بايديهم فحسب .. بل ويطبقونه بامزجتهم .. صحيح ان كل هذا مما لا يسمح به النظام الديمقراطي .. ولكن الصحيح ايضا .. انه لا نظام يسمح بانتهاك سلامته و يهدد ديمومته .. ويعرض استقراره للخطر .. مع ملاحظة اننا حين نتحدث عن سلامة واستقرار وديمومة النظام الديمقراطي .. انما نتحدث عن المجتمع الذي يعبر عنه هذا النظام .. فالاصل في الانظمة الديمقراطية انها تعبر عن مجتمعاتها .. عكس الانظمة الشمولية ..!
ولان الحكومات الديمقراطية هي المسئولة عن سلامة واستقرار شعوبها .. و هذا دورها الاصيل .. فينبغي ان تكون لهذه الحكومات قوانينها وشرائعها واجراءاتها التي تصمم خصيصا لتنفيذ دور الحكومة الديمقراطية تجاه شعوبها .. كما تكون لها اجهزتها ومؤسساتها التي تعمل علي انفاذ تلك القوانين والاجراءات .. لتحقيق امرين هامين .. الاول فرض هيبة الدولة و سلطانها والثاني تحقق دور الحكومة الديمقراطية تجاه شعبها ..اما ان فقدت الحكومة
هذه الالية .. فعليها وعلي الوطن السلام .. ولسبب من هذا قلنا لحمدوك .. عليك بالشرطة .. وهذا ليس اعتباطا ولا انتقاءا ولا انتقاصا من اية جهة اخري .. بل عملا بالدستور والقانون .. فالى الغد انتظرونا ..!
تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
التعليقات مغلقة.