بدايات العصر الكرونى ورقصات الانتظار

 

د. الهادى عجب الدور ـ بروكسل

كان البدايات الأولى بمدينة ويهان الصينية التى كانت تعج بالنشاط والحيوية والتجارب المعملية والتطور التكنولوجى المتسارع وايقاعات الحياة الرقمية والكائنات الدقيقة وعالم الاستنساخ والفيروسات والابتكار وبراءات الاختراع وعندما انتشرت اخبار كوفيد تسعة عشرة كان الجميع فى اطراف الارض ينظرون للأمر كأنه فى كوكب اخر وكان الأمر شيئ خرافى وحالة اسطورية ومجرد فلم خيالى علمى او ملهاة وتراجيديا على المسرح الصينى وبسرعة الضوء خلت مدن العالم الحية من المارة وحيث اصبحت باريس مدينة النور والجمال مدينة خالية وبات شارع الشانزليزى الشهير فارغ وفى صمت غادر كل الجميع الحانات والازقة والميادين الفسيحة حيث عاصمة الاتحاد الاوروبى وعاصمة حلف الناتو وعاصمة كبريات المنظمات الدولية بات شاحبة فى صمت والجميع يخرجون بسرعة للتسوق والعودة فى حالة الأنتظار، بينما لندن عاصمة الضاب باتت هى عاصمة باردة رمادية مكسوة بحالة الذبول والترقب، ونيورك تقف على رصيف همومها تنتظر ، وجميعا نحن بنى البشر نترقب بين الفنية والاخرى نفقد عزيز ونصلى سرا وجهرا ونقرع اجراس الكنائيس ونرفع مكبرات صوت الاذان نتضرع وقد بات العالم فى حيرة وحالة خوف يا ترى كيف سيكون يوم غدا تساؤلات لم تنتهى بعد

وحقا الان نشهد تاريخ وتوقيت جديد فى حياة الأمم والشعوب هو التاريخ الكرونى
دون منازع وظهور لغة جديدة هى اللغة الكرونية التى تتفوق على كل اللغات بما فيها لغة فيروسات البرمجيات والسوفت وير وهذه اللغة الجديدة لا تستند الى أى حروف ابجدية أو نصوص وجمل البلاغة والمبتدأ والخبر وحروف الجر وأدوات التشبيهة وعلامات الترقيم فقواعد هذه اللغة اغسل يدك بالماء والصابون جيدا وارتدى كمامة الانف والفم والقفازات وابقى جالس فى المنزل ولاتتجول لا فى الشارع الا بحدود او تصريح وغير مسموح لك بالازدحام او السفر مهما امتلكت من الاموال والحصانات الدبلوماسية والجوائز ورغم ذلك هذه اللغة مفهومة للجميع ولا تحتاج لمتعلمين وجهلة ولا تحتاج الى اغنياء وفقراء ولا تحتاج الى دين واخر ولا الى وجنسية ولا تحتاج الى تأشيرات دخول وخروج واجراءات قنصلية ولا تحتاج لترجمة لفك شفراتها والاستماع لها والاستناط هى لغة مفهومة للجميع بين بنى البشر يعنى هذه اللغة هى التى ساوت بين رؤسا الدول والحكومات والملوك والاغنياء والفقراء ان يستجيبوا ويدخلوا للحجر الصحى دون اى مخالفة او غضب هى وحدت العالم وعبرت كل حدود الجغرافيا واروقة السياسية وبيوتات المال واندية الاقتصاديات الضخمة والمصارف المتعددة الجنسيات ودور السينما وصناعة الافلام والمسرح والثقافة والأدب كلها وقفت فى انحناءة الطاعة والخوف المطلق امام تدحرجات الكائن الشوكى الهش بهشاشة اللامعقول وقوى جدا بقوة جيوش جرارة لا تغيب عنها الشمس ولا تخشى الصراع والهزائم جيوش كانت تقيم برامج حرب النجوم وحروب الفضاء الخارجى ولكنها اليوم تقف امام كرونة كوفيد 19 منكسرة حائرة سمعا وطاعة ويا للعجب العجبا حقا غريبة هذه الدنيا !!! حتى حروب المليشيات الدامية التى كان العالم كله شرقا وغربا عاجزا عن ايقافها والتوسط فيها او اقامة هدنة لها رغم كل مناشدات اصحاب الضمير الحى بوقفها وعدم اراقة الدم بين ابناء البشر وعدم تخريب الحياة الجميلة بهذا الكوكب لكن لا حياة لمن تنادى ولم يستمع ويصغى لتلك المناشدات احد اما نبضات وخطوات كرونة كوفيد تسعة عشر الواثقة يخشاها الجميع
هذا الكائن الحى ذو الغلاف الدهنى الدقيق جدا استطاع ان يهزم الزعماء المتغطرسين وجعل الجيوش العملاقة تنزل للشوارع فى مدن هذا الكوكب وتفرض حظر التجوال الجماعى الذى لم يحدث منذ الحربية العالمية الثانية وقد اغلقت مدن مليونية وضعت فى حالة الكرنتينة وحوصرت بلاد وجزر كاملة وانقطعت اواصر التواصل بين اسر وعائلات ومجتمعات فقط التواصل المسموح عبر الاتصال الهاتفية والانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعى او الاتصال عن بعد بالاشارة فهل يا ترى نحن حقا نشهد بدايات العصر الكرونى الذى هو يفوق كل العصور التى تدب فيها الكائنات سوف يتشكل عالم اخر جديد ما بعد كوفيد تسعة عشر بلغة جديدة وبرقص جديد ودموع جديدة واخلاق وقيم جديدة ووحدة وقانون دولى جديد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.