دنقلا : رئيس التحرير
في الوقت الذي تئن فيه العديد من المدن تحت وطأة الحرب، نجحت مدينة دنقلا، حاضرة الولاية الشمالية، في تقديم نموذج ملهم لإدارة الأزمات المعقدة. لم تكن المهمة سهلة أمام المدير التنفيذي للمحلية، د. مكاوي الخير الوقيع، الذي وجد نفسه أمام تحدي استضافة ملايين الوافدين، وتأمين الخدمات، والحفاظ على الإنتاج الزراعي في آن واحد.

أولاً: الملف الإنساني.. ملحمة “الإيواء والعودة”
استقبلت دنقلا ما يربو على 3 ملايين وافد من ولاية الخرطوم وغيرها، مما شكل ضغطاً مهولاً على الخدمات الأساسية.
إدارة مراكز الإيواء: خُصصت 18 مدرسة وداخلية كدور إيواء مؤقتة، وهو ما أثر برمجياً على التعليم لفترة، لكن المحلية استطاعت بالتعاون مع المنظمات الوصول لكل الأسر، سواء في مراكز الإيواء أو الأسر المستضيفة التي لم يتم حصرها بدقة لكثرتها.
العودة الطوعية: فور تحرير مناطق في الخرطوم ومدني، نشطت لجنة “العودة الطوعية” بجهد إداري مكثف، مما أدى لإخلاء دور الإيواء بالكامل حالياً، وعودة الطلاب لمقاعد الدراسة، مع بقاء الوافدين الذين اختاروا الاستقرار والاندماج في المجتمع المحلي.
ثانياً: التحول الاقتصادي.. الحرب تخلق فرصاً
رغم قسوة الظروف، يرى د. مكاوي أن الحرب أحدثت “طفرة عمرانية واقتصادية” غير متوقعة في دنقلا:
الاستيطان الجديد: قرر الكثير من أبناء الولاية الذين كانوا يعملون في الخرطوم الاستقرار نهائياً في دنقلا، مما أدى لظهور امتدادات سكنية جديدة.
انتقال الثقافات المهنية: الوافدون لم يكونوا عبئاً، بل أضافوا للمجتمع مهناً جديدة وثقافات سائدة، حيث انتعشت الأسواق، وزاد عدد الأفران، وتوسعت أماكن الترفيه والمنتزهات التي أصبحت تعج بالحياة حتى ساعات متأخرة من الليل.
ثالثاً: معركة الخدمات.. تحدي الطاقة البديلة
تعرضت البنية التحتية لمحاولات استهداف صريحة، شملت ضرب محول رئيسي واستهداف محطات المياه، لكن الرد الإداري كان حاسماً:
ثورة الـ 99%: في إنجاز غير مسبوق، تم تحويل 99% من محطات مياه الشرب إلى الطاقة البديلة (الشمسية) بجهد شعبي ورسمي مشترك، مما جعل استقرار الإمداد المائي الآن أفضل مما كان عليه قبل الحرب.
تطوير النظافة: لم تتوقف المحلية عند الأساليب التقليدية، بل استعانت بالمكبات النقالة وأضافت أسطولاً جديداً من الآليات مع مراجعة ميدانية يومية.
مشروعات 2025: البداية ستكون بسفلتة الطرق الداخلية مع مطلع العام الجديد، وذلك عبر شراكة استراتيجية مع “شركة زادنا العالمية”.
رابعاً: الزراعة.. رهان السودان الرابح
تعتبر دنقلا العمود الفقري للموسم الشتوي في السودان، وبالرغم من استهداف المليشيا لمحطات الكهرباء للتأثير على الإنتاج، جاءت النتائج مذهلة:
محصول القمح:
الموسم السابق: تم تجاوز المستهدف (61 ألف فدان) ليصل إلى 64 ألف فدان.
الموسم الحالي: المستهدف 86 ألف فدان، وقد تم بالفعل زراعة ما يربو على 85% من هذه المساحة حتى الآن.
المحاصيل الأخرى: زراعة مساحات شاسعة تقدر بـ 250 ألف فدان تشمل (الفول المصري، الثوم، والبصل)، موزعة بين مشاريع الأفراد والجمعيات الزراعية.
خامساً: التعليم.. تفوق رغم الضغط
لم تمنع ظروف النزوح والضغط السكاني طلاب محلية دنقلا من التفوق؛ حيث سجلت نتائج المراحل المختلفة أرقاماً مشرفة، مما يؤكد نجاح الإدارة في فصل الملف السياسي والأمني عن استقرار العملية التعليمية.
الخلاصة
يؤكد د. مكاوي الخير الوقيع أن سر النجاح في دنقلا يكمن في “التلاحم بين الجهد الشعبي والإدارة الحازمة”. لقد تحولت دنقلا من مجرد “معبر” إلى مصر وليبيا، إلى “مركز ثقل” اقتصادي وزراعي يحمي الأمن الغذائي للسودان ويوفر بيئة آمنة ومستقرة لملايين السودانيين.
التعليقات مغلقة.