محمد امين ابوالعواتك
موضوع الدين والدولة في الحياة السودانية ينظر اليه العديد من الناس بحساسية عالية الانفعال من الطرفين ، أولئك الذين (يجاهدون) لاجله او أولئك الذين (يناضلون) لمجابهته، الا ان وضعه في اطار الفهم الكلي الصحيح والفكر المتعمق في وحدة الرسالات السماوية ومقصدها والعلاقات بينها يجده انه موضوع (معرفي) واستحقاق حفريات وبنظرة سريعه لخريطة السودان اليوم ستلحظ سريعا الاثر الذي خلفه وستتبين انه (أزمة معرفة واستنارة) و( تواضع نخب) عند كل اتباع الرسالات السماوية المختلفة لاسيما الذين يتصدون للعمل العام وقضايا المجتمع ، فالدين في حقيقته وجوهره (دعوة) وليس( سلطان ودولة) محددة جغرافيا يستفتي الناس علي دستورها الذي هو عرضة للتعديل والتبديل وهو امر لاينطبق علي كلام الله المقدس!
نقف اليوم في نفس الموقف بعد انتفاضة ابريل ٨٥ وذكريات تجربة مريرة مررنا بها خلال الثلاثون عاما الماضية وما يصح ان نفعله اليوم وأهميته وضرورته في لملمة بعثرتنا والحفاظ علي وحدة السودان وهو (فقه ضرورة) كان يستخدم فقط في جانب (المال) سابقا ويغض النظر عنه في الحفاظ علي (حياة الانسان) المكرم من عند الله في اكبر مفارقة دفع ثمنها اجيال واجيال من اهل السودان!!
الهدي الالهي في جميع رسالاته السماوية هي دعوة بالحسني وان الاسلام دين ودعوة وليس حكما سلطانيا تسلطيا اقصائيا ، قدم الله سبحانه وتعالي فيه الحكمة قبل الدعوة والموعظه الحسنه وهي مطلب الساعه ( ادعو الي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ..) نتفق كيف نشاء في تنظيم مجتمعاتنا علي هدي الاخلاق التي هي مقصد الرسالات اما الشرائع فمكانها القضاء (السلطة القضائية) يتحاكم اليها الناس كل بهديه ويتضح ذلك في قوله سبحانه وتعالي: (..لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة..)
وايضا في قوله: ( وليحكم اهل الانجيل بما انزل الله فيه…)
وايضا: ( وكيف يحكمونك وعندهم التوارة فيها حكم الله..)
وكل هذا التنوع الايماني وضحه القران الكريم فقال الله فيه: ( ان الذين امنوا والذين هادوا والنصاري والصابئين من امن بالله واليوم الاخر وعمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون)، اما التضييق والتكفير او الحكم بايمانيات الناس بادعاء الاطلاع علي السرائر فهذا شان خاص بالله سبحانه وتعالي وعلمه عنده ولم يعطه لبشر او جماعه او تنظيم وهو الحكم الفصل فيه يوم القيامة.
تحدي الامة هو تحدي مراجعات ومرجعية فكرية لمغادرة تصنيف تزيل الامم وقديما قالوا: اذا (اتسعت)الرؤية ضاقت (العبارة) و المرء عدو ماجهل ، فالذي يحدث عندما تضيق (الفهوم) تضيق معها (الصدور) فتكون افة (النفس) هي سيدة الموقف وتحبس الامة في مربع الحرب والاقتتال والعدوان بجهل ابناءها الذين يحسبون انهم يحسنون صنعا ومدينة العلم سيدي رسول الله صلوات ربي وبركاته عليه ووالديه واله اوصي بطلب العلم من المهد الي اللحد وكان رده علي الذي الح طلبا للوصية..(لاتغضب) وكررها ثلاثا.
وكما كتبنا سابقا ولانمل التبيان ان مقصد الرسالات السماوية هو السلام الذي هو اسماء الله وبناء المجتمع الفاضل علي هدي الاخلاق والمعاملة الحسنة وان الدين عند الله واحد وهو الاسلام بكل رسالاته ، فالذين امنوا بالله ورسلهم الذين بعثوا فيهم واعتقدوا بصحة الرسالات السماوية الاخري و استقاموا علي ذلك وعملوا صالحا اولئك لاخوف عليهم ولاهم يحزنون ونوقن كذلك بان الاسلام في مختلف رسالاته هو دين ودعوة لخير البشرية بلا اكراه او سيطرة او عدوان علي الاخر الا ردا علي عدوانه وان جنحوا للسلم فاجنح لها ولاتكون طريقة تنظيم مجتمعاتنا وتسيير شئونها مجالا للقول بان هذا هو الدين حصريا ، ويجب التدبر لنعرف ان ما انزل الله حقيقة والزمنا الحكم به هي التشريعات وهي القانون و مكانها القضاء كنّا أوضحنا لحفظ الحقوق وضبط المعاملات بين الناس للحفاظ علي الحد الادني للاخلاق في المجتمع وليس (الحكم السلطاني) كما يعتقد الكثير من الناس والنخب واهل السياسة.واتباع الرسالات السماوية فيهم من امن بالله و برسوله الذي بعث فيهم وهؤلاء هم المسلمون ، وفيهم من كفر واولئك هم الكافرون ، ولم يكن الرسل عليهم السلام سلاطين او حكاما او ملوكا عدا سليمان وداوود عليهما السلام بل كان دورهم البلاغ (فهل علي الرسل الا البلاغ المبين) وليس السيطرة والاكراه ، فاختطاف الدين لفرض السلطان هو مجانبة لمقاصد الهدي في كل الامم سواء كان في اليهودية او المسيحية او الرسالة المحمدية الخاتمة.. انه اوان اهل المراجعات والحفريات المعرفية الذين يجب ان يقدموا وتنشر مناهجهم لخير الامة والاجيال اذا أردنا ان ننعم بهذه البلاد وبخيراتها.
التعليقات مغلقة.