الدولار .. حكايات وأسرار الصعود في الأسواق السودانية

 

 

تقرير: إنتصار فضل الله

 

حالة تصاعد غير مسبوقة للدولار الأمريكي أمام الجنيه السوداني، ظلت مستمرة بشكل متسارع وغريب وسجل أعلى درجاته في سوق العملة منذ العام 2018م وحتى يومنا هذا، حيث تراوح سعر صرفه ما بين الـ(85 ـ 120) جنيهاً دون الانخفاض عند مستوى الشراء في أسواق “الظل” السوداء، وأدت السياسات النقدية والمالية التي تم اتباعها إلى فقد الجنيه قيمته بالكامل، ولم يحدث أن تعافى  من الداء الذي أصابه، فرضيات كثيرة حاول الخبراء تفسيرها وتحليها لمعرفة ما وراء العلة، وإمكانية استعادة هيبة الجنيه مجدداً وهل هو ارتفاع مؤقت أم أنه سوف يستمر؟!

 

و بحسب المعطيات التي استقتها “أول النهار” من جولتها بين تجار العملة وسط السوق الأفرنجي بالعاصمة السودانية الخرطوم، ما زال الجنيه يواصل خساراته أمام العملات الصعبة والدولار الأمريكي، ويبدو أن العامل الأساسي في هذا الارتفاع من خلال حديث عثمان جابر أحد تجار العملة الطلب المتزايد على الدولار وفشل الحكومة في ضبط السوق الموازي، بالإضافة لظاهرة تهريب العملة وتراجع التدفقات من النقد الأجنبي جراء الأزمة السودانية الأخيرة، بالإضافة إلى ضعف السياسات الخاطئة التي تركها نظام الإنقاذ البائد وانعدام الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية لتصل مرحلة الـ”زيرو”، كاشفا عن وجود مافيا متحكمة في سوق العملات يجب الانتباه لها ومحاربتها بكافة الوسائل. 

 

إذن نحن أمام زيادة تبدو غير طبيعية ساهم فيها المواطنون الذين قاموا بشراء الدولار عندما كان منخفضا، واكتنازه في المنازل، كما أفاد عثمان الريح من تجار العملة ببرج “البركة” وسط الخرطوم، الذي أقر بافتقار البلاد إلى موارد دولارية أساسية، وأشار إلى تدهور كل القطاعات الحيوية من سياحة وزراعة وصادرات وغيرها. وقال حان الوقت لتغيير السياسات من خلال الاستفادة من دخول الوجود الأجنبي بالبلاد الذي تفوق نسبته الـ(40%) من السكان، وذلك من خلال فرض إجراءات ضريبية وغيرها تسهم في تحصيل نسبة محددة من دخولهم لتغذية خزينة الدولة، كما يحدث في كثير من بلدان العالم، واعتبر أن الأجانب أهم مورد اقتصادي يمكن الاستفادة منه حال التفتت الحكومة لهذا الجانب، الأمر الذي سوف يؤدي لتقوية الجنيه السوداني واستعادة مكانته دون عناء. 

 

وفي فذلكة تاريخية سريعة يقول خبراء الاقتصاد، بدأ أول انخفاض للعملة السودانية أمام الدولار سنة 1978م، بعد أن تدخل البنك الدولي في العملية الاقتصادية في السودان، وطالب حكومة نميري آنذاك بأن يتم تخفيض العملة الوطنية حيث كان الدولار يعادل (35) قرشاً سودانياً وقتها، والجنيه السوداني كان يساوي قرابة الثلاثة دولارات، ومنذ تلك الفترة بدأ الجنيه السوداني في التدحرج أمام الدولار إلى يومنا هذا، وإذا أردنا البحث عن أسباب تدهور العملة الوطنية أمام العملات الصعبة بحسب الخبراء، نجد أن هناك اختلالا كبيرا في ميزان المدفوعات الخارجية، وهذا الميزان هو الحصيلة ما بين الصادرات والواردات، بالتالي من أوجب الواجبات الآن أن تقوم الحكومة بإعادة التوازن للاختلال الذي يشهده ميزان المدفوعات الخارجية ما بين الصادرات والواردات من خلال تعظيم الصادرات والتقليل من الواردات بقدر المستطاع، والعمل على تخفيض فاتورة الإنفاق على المواد البترولية ورفع حصيلة تحويلات العاملين بالخارج وإلغاء آلية التحويلات إلى الخارج بالنسبة للأجانب. 

 

ويتضح من خلال حديث المحلل الاقتصادي علاء الدين فهمي، لـ”اول النهار”، وجود سلسلة طويلة من الإجراءات حتى يتم توفير الدولار بسعر منخفض مقابل الجنيه، تبدأ بتحسين قطاع الإنتاج شريطة أن يكون مطابقا للمواصفات والجودة العالمية، وأن يكون سعره منافسا في السوق العالمية وبالكميات المعقولة التي تسهم في تنفيذ عملية التصدير، وبلا شك فإن العملية الإنتاجية الجيدة تتطلب دولة راشدة تمتلك خططا وبرامج واضحة لعملية الإنتاج بأنواعه الصناعي والزراعي والتعديني، وأن تمتلك بنية تحتية للإنتاج الذي شهد تدميرا في الآونة الأخيرة، فهذا التدهور هو ما تركته حكومة الإنقاذ المبادة التي دمرت البنى التحتية والخدمة المدنية التي تدنت إلى أدنى مستوياتها طوال حقبة الثلاثين عاماً الماضية، وأضاف الآن توجد ورثة مثقلة يجب بحث إمكانية معالجتها لتعافي الجنيه.

 

عامل آخر أسهم في تراجع الجنيه وقفز بالدولار هو معدن “الذهب”، الذي يواجه مشكلة تهريب نسبة كبيرة من إنتاجه والحديث لفهمي الذي يرى أن السبب الأساسي وراء ظاهرة تهريب المعدن أن النظام البائد أعطى قيمة متدنية أقل من سعر البورصة العالمية بكثير في سعر الذهب للمنتجين من دهابة ومصدرين، مما أدى لإحجامهم في الفترة الأخيرة عن التصدير عبر القنوات الرسمية وعبر الصادر، ودفعهم لعدم توريد حصائل الصادر إلى بنك السودان المركزي لوجود فرق كبير جداً في القيمة السعرية ما بين البورصة العالمية وما يدفعه لهم المركزي، لذلك قاموا بتهريب الذهب وبيعه بالسعر العالمي للاستفادة من فرق السعر كأصحاب حق، وقال لأن المنتجين والمصدرين مطالبون بسداد مبالغ حصيلة الصادر مقدماً ليس أمامهم سوى شراء دولار من السوق السوداء بأي سعر وتوريده لخزينة المركزي كحصائل صادر الذهب مقدماً، وهذا ما حدث قبل أيام وأدى لارتفاع مفاجئ للدولار من (98) إلى مبلغ تراوح بين (118 ـ 120) جنيهاً. وتابع بعدها يقوم المنتج بتصدير المعدن ويترك حصيلته بالخارج، فهذه الطريقة أدت لارتفاع سعر الدولار بصورة مخيفة جدا، وانخفاض كبير في العملة المحلية.

 

الموقف القائم الآن والوضع الاقتصادي المتدهور يتطلب معرفة مصادر وموارد  الدولار بأسواق الخرطوم، فوفقاً لإفادة فهمي تعتبر تحويلات المغتربين من الخارج أول مصدر لكنها تدخل عبر السوق الموازي وليس عبر القنوات الرسمية، وهي تخضع للسعر الموازي لماذا؟ لضعف الحوافز المقدمة لهم من المركزي والفرق الكبير بين السعر في السوق الموازي مقابل الجنيه والسعر الرسمي المعلن من بنك السودان، وبالتأكيد فإن هذا الفرق يؤدي لخسارة مبالغ كبيرة للمغترب وبلا شك فإنه لا أحد يرضى بأن يفقد مجهوده ومدخراته بهذه الطريقة مهما بلغت درجة وطنيته وأمانته، ما اضطر المغتربين للتوجه نحو السوق الموازي، وفشل الدولة في تقديم حوافز مجزية لهم، وكان يفترض أن تضع الدولة حوافز للمغتربين بإدخال عربية بدون جمارك بعد تحويل عشرة آلاف دولار مثلاً بالسعر الرسمي ومنح أراضي بقيمة أسمية بعد تحويل 15 ألف دولار بالسعر الرسمي، على أن يحولوا مدخراتهم ويتم استيعابها في أسهم وسندات في شركات التعدين والبترول والاتصالات، وأن يستفاد منها في الدورة الاقتصادية لكن في الحقيقة لم تهتم جهة بوضع حوافز مغرية للمغتربين تجعلهم يدخلون مدخراتهم عبر القنوات الرسمية ليكسب الجميع، ومعروف أن المغتربين تحويلاتهم كثيرة وهي تتعدى الثلاثة مليارات ونصف مليار دولار سنوياً.

 

أما المورد الثاني للدولار، كما ذكر فهمي، فهو عائدات الذهب الذي أصبح أكبر مصدر لجلب العملات الصعبة منذ إيقاف صادر البترول في العام (2011م)، وفي هذا الخصوص قال وزير المالية في مؤتمر صحفي مشهود إن هناك (450) كيلو ذهب بقيمة (25) مليون دولار تدخل يوميا إلى سوق الذهب، وهذا التصريح الصادر من الرجل المالي الأول في الدولة عندما يسمعه خبراء الاقتصاد بحسب فهمي يجزمون بصحته ويبنون عليه فرضية جديدة، وهي إذا فعلاً هناك مبلغ (25) مليون دولار تدخل، فالسؤال المنطقي أين تذهب هذه الحصيلة؟ والبلاد تعيش ضائقة لا مثيل لها، فهذا المبلغ إذا تم ضربه خلال العام ستكون الحصيلة السنوية تسعة مليارات دولار، وهي قادرة على حل مشكلة السودان نهائياً، هذا ما جعل وزير المالية يضع خطة جديدة للصادر بحيث يتحصل الدهابة على سعر البورصة العالمية وأن يحضروا حصاد الصادر فقط، غير أن فهمي يؤكد وجود عيب كبير في هذه السياسة.  

 

ويواصل فهمي حديثه حول مصادر الدولار معتبراً حصائل الصادرات هي المورد الثالث، لكنه يقول هناك مشكلة كبيرة تواجه هذا القطاع فأغلب الصادرات من السمسم والصمغ العربي والقطن والكركدي وعباد الشمس والذرة، وهذه مجتمعة في الغالب تخرج عبر ما يعرف بـ”الوراقة” وهم سماسرة يقفون على بيع الورق ويقومون باستخراج مستندات مزورة على أساسها يقوم المصدر بشحن بضاعته، بالتالي لا يسددون حصائل الصادر التي تظل بالخارج بمئات الملايين من الدولار وتؤدي لفقد البلاد بعض الميارات، ويبقى من الضروري الالتفات لظاهرة الصادرات عبر الوراقة، واقترح ضرورة أن تفرض وزارة التجارة ضمانات على المصدرين سواء كان رهنا عقاريا أو خطابا “إل جي وتلف قرين تي” من المركزي، بحيث يتم الاستيلاء على أملاك المصدر من قبل المالية والمركزي حال عجز عن سداد حصيلة الصادر. 

 

ويؤكد فهمي الذي اتفق معه الخبير المالي، عباس عصمت، أن قيمة الصادرات هي التي تشتري الواردات، غير أن السودان شهد شحا واختلالا في الميزان التجاري وميزان المدفوعات الخارجية لفترة طويلة جدا، ولترتيب الأولويات التي يمكن أن تقوي الجنيه. أما الدولار فأمن على ضرورة تغيير العملة فوراً أو سحب الفئات النقدية ابتداء من (100 ـ 200 ـ 500) جنيه من التداول، وتصبح غير مبرئة للذمة بعد فترة سماح تغيير العملة، لافتين إلى وجود كتلة نقدية ضخمة تقدر بخمسة مليارات دولار خارج الجهاز المصرفي، هذا غير الأموال المزورة التي لا يعرف حجمها ولكنها متوفرة بكميات ضخمة منذ الفترة الأخيرة للنظام السابق، حيث كانوا يطبعون كما قال أحدهم “رب رب رب” بدون حسيب ورقيب. 

 

ولكن ذكرت الحكومة أنها لا تمتلك دولارات لتغيير العملة في ظل ارتفاع تكلفة عملية التغيير، وقد تحتاج لمبلغ (400) مليون دولار، والشاهد يقول وبحسب مراقبين حالياً توجد طباعة عملة قديمة لفئات الخمسمائة والمئتين والمائة، وتأكيدا لذلك أفاد المحلل الاقتصادي أحمد إبراهيم  بأن الطباعة “شغالة طوالي، وهذه المبالغ حايمة في السوق”. وبحسب محدثنا فهمي طالما أن الدولة غير قادرة على طباعة العملة فهناك حل آخر وهو سحب الفئات الكبيرة، لأن المافيا ومنسوبي النظام السابق وأهل الأموال السوداء لا يتعاملون إلا بها، باعتبارها سهلة التخزين في الغرف الحديدية والخزن بالتالي فإن وجودها يشكل خطراً للغاية، مؤكداً وجود أموال منهوبة “عرق الشعب السوداني” استولى عليها منسوبو الإنقاذ وفيها أموال مجنبة بمليارات الجنيهات بالقيمة الجديدة، وأخرى مصدرها عمليات مشبوهة كغسيل الأموال وتزوير وتزييف العملة وتجارة المخدرات وتجارة السلاح، وتابع هذه المافيات لا تدخل أموالها البنوك مما يؤكد أن العملة مطبوعة خارج الجهاز المصرفي بكميات كبيرة وبلا شك فإن تغيير العملة سيجبر الجميع لتوريد أموالهم إلى المصارف أو أن تصبح عملتهم غير مبرئة للذمة بعد فترة سماح (30) يوماً، بالتالي تصبح الأموال مجرد ورق في أياديهم “يبلوه ويشربوا مويته”، نظراً لأن المافيا تتعامل في المال نقداً عبر البنكنوت. 

 

ودعا فهمي إلى ضرورة تغيير سياسة صادر الذهب على أن يصدر المنتج عبر بنك السودان، وأن توضع قيمة الصادر بالدولار في حسابات المصدرين ولا يتم استخدام هذه الدولارات إلا لعملية الاستيراد فقط، مع إيجاد سياسات مالية ونقدية قوية تعيد التوازن للاقتصاد الكلي ثم الوقوف على أرضية جيدة حتى تتمكن الدولة من البدء في عمليات الإنتاج الزراعي والصناعي، والتوسع في المشاريع مع محاربة المضاربة في العملة الصعبة وفي السلع، وضرورة الالتفات إلى تحويلات شركات الاتصالات بأرباحها، منبهاً إلى أن شركات الاتصالات تشتري من السوق 400 مليون دولار سنوياً وتوردها إلى الرئاسات بالخارج، مما يستدعي التوصل إلى تفاهمات مع الشركات بإيقاف تحويل أرباحها لمدة عامين ويتم شراء سندات خزانة بهذه المبالغ يكون فيها أرباح بنسبة تتراوح بين (10 ـ 12%) لتفادي الخسارة ولتخفيف الضغط على الدولار.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.