صلاح محمد عبد الرحيم: “مايسترو” الهيكلة المصرفية ورهان السودان لإنقاذ الموسم الزراعي

الخرطوم – أول النهار

في وقتٍ تتقاذف فيه أمواج الأزمات الاقتصادية السودان، ويقف فيه “البنك الزراعي” أمام تحدي الوجود بعد الدمار الذي طال بنيته التحتية، برز اسم صلاح محمد عبد الرحيم علي كخيار استراتيجي لقيادة هذه المؤسسة الحيوية. لم يكن التعيين مجرد ملء لمنصب شاغر، بل كان استدعاءً لخبير متمرس عُرف في الأوساط المصرفية بقدرته الفائقة على “هندسة الأزمات” وتحويل المؤسسات المتعثرة إلى كيانات رابحة.

النشأة والتكوين: عقلية اقتصادية بصبغة دولية
ولد صلاح في قلب الخرطوم عام 1961، بجذور ضاربة في الولاية الشمالية (جزيرة مقاصر)، وهو ما منحه مزيجاً من الانضباط والارتباط الوثيق بالأرض. نال بكالوريوس الاقتصاد من جامعة القاهرة بالخرطوم عام 1984، لتبدأ رحلته التي لم تتوقف عند الحدود المحلية، بل صُقلت في أعرق المصارف الخليجية (الراجحي، والجزيرة، والبركة)، مما أكسبه نظرة عالمية للمعايير المصرفية الإسلامية وإدارة المخاطر.

رجل الإنجازات الاستثنائية: من “البلد” إلى “النيل”
سجلُّ صلاح محمد عبد الرحيم حافل بالتحولات الكبرى، ومن أبرز محطاته: ثورة الهوية في “بنك البلد”: استطاع في فترة وجيزة إعادة صياغة العلامة التجارية لبنك الشمال الإسلامي ليصبح “مصرف البلد”، محققاً قفزة في الحصة السوقية ومنتزعاً جائزة التميز المصرفي العربي لعام 2019 كأفضل بنك في إعادة الهيكلة.
إنقاذ الموسم الزراعي: في “بنك النيل”، سطر ملحمة مهنية عقب اندلاع حرب أبريل 2024؛ حيث نجح في إعادة الربط الشبكي ونظام “سويفت” العالمي في وقت قياسي، والأهم من ذلك، قيادته لتمويل 60% من الموسم الزراعي الصيفي، وهي الخطوة التي وصفها المراقبون بأنها “حائط الصد” الذي جنب البلاد شبح المجاعة.
السمات القيادية: هدوء يسبق القرارات الحازمة
يُعرف صلاح في أروقة البنوك بأنه “القائد الهادئ”. يمتلك ملكة نادرة في اتخاذ القرارات المصيرية تحت الضغط، ويؤمن بمبدأ “تنزيل الصلاحيات” لتمكين الكفاءات الشابة. هو ليس مجرد مدير خلف مكتب، بل هو “مهندس عمليات” يميل إلى أتمتة الإجراءات (Automation) وتقليل البيروقراطية، وهو ما طبقه عبر إدخال نظام “FLEXCUBE” العالمي في المؤسسات التي أدارها.

التحدي الأكبر: البنك الزراعي في “عين العاصفة”
يواجه صلاح اليوم مهمة هي الأصعب في مسيرته؛ فالمنصب الجديد يضعه أمام بنك تعرض للنهب الممنهج ونقص حاد في التمويل. ومع ذلك، يرى الخبراء أن نقاط قوته تخدم هذا الملف تحديداً:

خبرته في إدارة المخاطر (CRO سابقاً): ستمكنه من فرز المحافظ الائتمانية المتعثرة وبناء نظام استعلام قوي.

علاقاته الدولية: قدرته على مخاطبة المنظمات والمراسلين الدوليين لاستقطاب خطوط تمويل خارجية.

الابتكار الرقمي: تحويل البنك الزراعي من النظام التقليدي الورقي إلى الصيرفة الرقمية لتأمين الوصول للمزارعين في الولايات الآمنة.

الخلاصة
صلاح محمد عبد الرحيم ليس مجرد مصرفي تقليدي، بل هو “تكنوقراط” يجمع بين الخبرة الأكاديمية والممارسة الميدانية في بيئات معقدة. تعيينه مديراً للبنك الزراعي يرسل رسالة طمأنة للوسط الزراعي بأن “التمويل” بات في يد أمينة، وأن “الماكينة المصرفية” للزراعة السودانية في طريقها للدوران من جديد.

التعليقات مغلقة.