قول ليا .. يا الماشي الشرق !
–
تحليل سياسي : محمد لطيف
من قلب السودان .. ومن حي شمبات الشهير بالخرطوم بحري كان أحد عماقة رواد الشعر والغناء فيها .. الراحل الشيخ شمبات .. يكتب ويلحن ويغنى رائعة يقول مطلعها .. ( قول لي يا الماشي الشرق لمْ البنات شوف الفرق ) .. إعترافا بتميز الشرق .. متفوقا حتى على (الشرقاوية) من شعراء وفنانين .. فى تجسيد تميز الشرق .. وبعد سنوات طويلة .. كانت الفنانة ( بكل المقاييس ) هدى عربي تردد ذات الأغنية فتزيدها .. شجنا وشدوا وتطريبا .. ليزداد الشرق .. هو الآخر ألقا وتميزا عن كل السودان .. ولكن تميز الشرق هذا لم يكن جديدا .. ولم يوثقه ذلك النص الشعري ولا الأداء المبهر فحسب .. بل وقبل قرنٍ كامل بالتمام والكمال من ميلاد هدى عربي .. كان الشرق يهدى السودان كله تميزا ذا طعم مختلف .. ففى مارس من العام 1884 .. كان القائد السودانى الفذ الأمير عثمان دقنة .. يهدى السودانيين إنتصارا بطعم المعجزة .. إنه كسر المربع الإنجليزى .. الذى لم يقهر من قبل .. فى معركة التاماي الثانية .. ليحتفظ الشرق بتميزه و بالفارق عن الآخرين .. حتى محمد طاهر إيلا .. بكل علاته .. إستطاع أن يجعل من الشرق آيقونة للسياحة .. ويجعل للسودانيين موسما للسياحة .. لأول مرة فى حياتهم ..فحاولت كل الولايات فعل ذلك فلم تنجح .. حتى إيلا نفسه حين إنتقل الى ولاية أخرى .. حاول تكرار تجربته في الشرق .. فلم ينجح .. ليحتفظ الشرق بسحره وفرقه عن الآخرين ..!
ولكن لمّ يأبى هذا الشرق الآن .. أن يحتفظ بفرقه ذاك .. ؟ لما إختار الشرق .. أو ثغر السودان الباسم .. أن يلغى هذا الفرق بينه وبين أرجاء السودان الأخرى .. لما إختار شرق السودان أن يغادر محطة تميزه .. ويطوي مسافات فرقه عن الآخرين .. بأزيز الرصاص .. ودوي المدافع .. وأصوات الإنفجارات ..؟ بل لما حلت بالشرق .. لعنة الجهوية والقبلية والإثنية والعشائرية والمناطقية ..؟ لما يعجز الشرق عن الإحتفاظ بتميزه المتمثل فى .. التعايش السلمي وفي .. التسامح والتوادد وفى .. التكافل والتراحم وفى .. التعاضد و التساند وفى .. حسن الجوار وفى .. الأبواب المشرعة على بعضها وفى .. الطرق المفتوحة بين أحيائها وفى .. القيم الحاكمة لكل اهلها وفى .. الطرفة الحاضرة على ألسنتهم وفى .. المحبة واسطة العقد بينهم .. ؟
السؤال .. ما الجديد الذى حل بالشرق ..؟ هل ثمة إثنية جديدة قد حلت فى الجوار سببت ضيقا للمقيمين ..؟ كلا بالطبع .. فهل ثمة موارد جديدة قد إكتشفت اضحت ساحة للصراع هناك ..؟ لم يقل احد بذلك .. فما الجديد إذن ؟ .. يبدو أن التطورات السياسية الجديدة .. والتى تقود السودان الآن لوضعه فى مساره الصحيح .. لجعله فى مكانه الطبيعى بين الأمم .. لا يعجب البعض .. فيسعى هذا البعض أن يدفع السودان كله الى حافة بركان يمور .. إستعدادا للإنفجار .. وبعض هذا البعض .. رأى ألا يختلف الشرق هذه المرة عن الآخرين .. وأن الفارق الذى ظل يصنعه الشرق لنفسه .. يجب أن يسقط هذه المرة .. ليتساوى كل السودان فى الإنفجار ..ولكن قناعة الكثيرين الآن .. أن الشرق .. ورغم كل شيء قادر .. على أن يستعيد تميزه وأن يحتفظ بذلك الفارق الذى كان يصنعه لنفسه دوما ..!
ولئن كان عثمان دقنة قد كسر المربع الإنجليزى قبل قرن ونيف ليهدى السودان معجزة .. و يحتفظ للشرق بفارقه .. فما الذى يمنع صالح عمار .. والى كسلا المختلف عليه .. من أن يشتري دماء أهل الشرق بل و يهديهم تميزا جديدا يحفظ الفارق بينهم وبين الآخرين .. فينزع فتيل الأزمة .. بتقديم إستقالته لرئيس الوزراء .. فيعفيه من الحرج .. ويعفى الشرق من عنت الصراع .. فيكسب هو مجد مستقبله السياسي ..؟!
1
التعليقات مغلقة.