فجر المشارق ــ عبداللطيف الهادي

عودة للتحبير والتعبير

إحساس البعد، أو الإغتراب عن التحبير وكتابة الرأي بسبب ظرفٍ ما شخصي كان، أم قهري، إحساس وشعور لا يمكن التعبيبر عنه، بالشكل الصادق اللائق به، ولا يستطيع كائن منْ كان ترجمته بصورة مُثلى تُقنع قارئ حروفه بمقدار وجع وألم البعد هذا.
وعلى الرصيف المقابل، يتلاشى الوجع ويغيب في الفراغ العريض مع أول قطرة غيث تحمل الدعوة للعودة للخوض في بحر الكتابة مجدداً، لتغمر المدعو فرحة غامرة، وعامرة لغدٍ أمثر إشراقاً، وتفاؤلاً، وأملاً، فرحة تُشعر الفرد منّا أنه ما زال يحمل بعض تفاصيل الملامح التي لم تمتد إليها يد الدهر لتغرقها في تراحيديا تجاعيد التحاهل والنسيان، والوضع على فاترينة متاحف عرض الآثار والموروثات التي لا يتذكرها، أو يزورها إلاّ كل مهتم، أو غارق في تفاصيل الحنين للماضي!.
طافت بمخيلتي الكليمات أعلاه، وشخصي يتلقى دعوة أنيقة من شخصيتين راقيتين، ومجيدتين، ولهما وقع خاص، ومكانة سامية في دواخلي، لكتابة رأيي المتواضع على أسفير صحيفة (أول النهار) الغراء، وما كان لي سوى قبول دعوتهما، وما أتمناه أن أكون عند حسن ظنهما، وأن تأتي حروف كلماتي على قدر قامة قارئ الصحيفة الموقر، ليقيني التام أن الإنسان السوداني يتميّز بالذكاء والفطنة، ويعرف كيف يُفرّق بين الحق والباطل، وبين الصالح والطالح، وبين الصادق ومدعي الصدق!.
بعد فراغي من الخاص، سأدلف على الهمْ العام، همْ الوطن الغالي، وقضايا وهموم شعبه، وأوجاعه وآلامه، وأحلامه التي يروم ويناضل ويكافح على تحقيقها، لا سيما بعد ثورته، وهبّته الجبّارة التي أثمرت عن حرية، وديمقراطية لوّنت فضاؤه، وجمّلت سماؤه، بعد 30 عاً كئيبة وموحشة في تفاصيلها (الله لا عادها)، ولعلّ من أعظم قيم العهد الجديد، ومن أبلغ دروسه، أن ذات الأقلام التي كانت تُسبّح بحمد الذي أهدانا الفُرقة، والشتا، والودار، والخراب، والدمار، ما زالت تقف معنا على ذات الرصيف، رصيف الحق والخير والجمال، لكنها  أي أقلام القبح والدمامة ــ لم تستعر، وتستشف ولو ذرة من حب شهداء الثورة الأبطال، حينما قدموا أرواحهم، ودمائهم رخيصة فدىً للوطن وإنسانه نقي الحنايا، وجميل الدواخل، وقدظن البعض أن أقلام التغييب، والتغبيش الفكري ستعود لجادة الطريق، وستعمل على أخطاء ماضيها البغيض، لكن، وكما يُقال، فإن الطبع يغلب التطبع، بعد أن عايشنا (نفاقها) الظاهر والبيّن بدايات أيام الثورة، فكان سرعان ما عادت لطريق الضلال الذي تنكبته خوفاً من مستقبل تجهله، ولا تعرف تضاريس مناخه .. أيقنت هذه الأقلام أن الحرية البتي حرّموها على زملاء لهم إبّان سطوتها، وسيطرتها على مفاصل الإعلام، ستكون شفيعة لها، وحامية لها من (إنتقام) قد يقوم به بعض ضحاياها بحقها، إلاّ أن هؤلاء الخصوم، قالوا لحملة أقلام الإفك والضلال: (إذهبوا، فأنتم الطلقاء)!، فكانت إنطلاقتهم المعاكسة لإتجاه الريح، والمضادة لجريان التيار، وكان أن أنّتْ وتوجّعت المطابع من سخف كلماتهم، ومن ضآلة تفكيرهم الذي تشبّعوا به في حقبة التمكين المبين!.
نغم .. الحرية لهم هم أولاً أعداء ثورتنا، قبل أن تكون لنا نحن منْ ناضلنا، وقاتلنا سنيناً في سبيل إقتلاعها من براثن تنظيمهم الدموي والقاتل، والفاسد، والذي رمى به شعبنا في قاع مزبلة التأريخ حيث المكان اللائق به، وبه .. نالوا بموجب أخلاقيات الثورة الظافرة، وعبر وثيقة فترتها الإنتقالية أمان التعبير من تحت مظلة الرأي، والرأي الآخر، لكنهم، ولـ(حيوانية) متوحشّة فيهم، آثروا (التبعير) والذي تجلّت آثاره النتنة، ورائحته الكريهة في (حظائرهم) المسماة بزوايا وأعمدة الرأي!، فكان أن (ترمّدت) أعين منْ يُطالعون مقالاتهم، بكلمات تحاول ــ تأقزماً ـ النيل من الثورة، ومن رجالات حكومتها المدنية الإنتقالية، وتشكيكهم في الشخصيات الثورية التي إنبرت، وتصدّت لتفكيك دولة تمكينهم البائدة، وهنا لأ أريد التشخيص، فسيناريوهات الأيام القلائل الفائتة، كشفت، وعرّت محاولات صبية، وكهنوت العهد المؤود!.
وقبل أن أختم، أقول أن النقد البناء، والهادف، أمر لابد منه لإصلاح أي إعوجاج يطرأ على ظل الحكومة المدنية، فمسؤوليها غير منزهين من الأخطاء، لأنهم بشر، لا ملائكة، وشخصي سيكون بالمرصاد لكل هفوة أو (غلطة) تصدر عن أي مسؤول ــأياً كان موقعه ــ، لكن من نفاج الحب والخوف على الثورة، لا لهدمها كما تفعل أقلام خفافيش الظلام، والمسؤول في حكومة الثورة الإنتقالية، لم يأت عن طريق صندوق إنتخاب، إنما جاء محمولاً على أكتاف المواطنين المتطلعين والحالمين بوطن (مالك زمام أمرو .. ومتوهط لهب جمرو)!!.
فجر أخير
أفتح عيون عقل القصائد .. وأكسر مدار عصف الظروف، وأفهم مكان حُغر المكائد .. وأفتل خيوط نار الحروف..

التعليقات مغلقة.