التحالفات السياسيةالسودانية:
وحدة الهدف المرحلي وغياب الرؤية المستقبلية ..!!
الحلقة (٦)
.. في سنوات الحكم العسكري الاول شهدت البلاد قسط من الاستقرار السياسي تمتعت خلاله لاول مرة منذ استقلالها بخطوات جادة من التنمية والرخاء .. ويحكي الذين عاصروا حكم “الجنرالات” في المجلس العسكري العالي برئاسة الفريق/ ابراهيم عبود ان المشروعات التي تم تنفيذها لم تزل شاهدة حتى الان على عظمة الانجاز من طرق وجسور ومشاريع للاسكان ..
.. ست سنوات ارتضاها الشعب السوداني عيشا تحت حكم العسكريين بعد ان سلمتهم السلطة المدنية الحكم الحكم لعجزها عن ادارة البلاد في ظل عدم وجود الاغلبية المطلقة في الانتخابات وعقد التحالفات المرحلية المتباينة في الرؤى وهدفها الاوحد الوصول الى كراسي الحكم ولو تحالفت مع “الشيطان” .. وقد ادى التنافس الحاد بين الحزبين الكبيرين من جهة واليسار من جهة اخرى الى وصول العسكريين للحكم وهنا شعر المواطن البسيط ان الانقلابات العسكرية هي المخرج الوحيد لحسم فوضى الاحزاب وتشاكيها وائتلافاتها وتحالفاتها الفضفاضة ..
.. مرة اخرى تململت الاحزاب وبدات في التحالف بهدف اسقاط الجنرال عبود .. الا ان تحالفها لم يكن بمعزل عن الارتباط بالاخر وفق تقاطعات القوى الدولية التي رات في استمرار عبود تحديا لرغبتها في السيطرة على حركة التبشير بجنوب السودان ..
.. ففي الشمال بدا حراك التحالف لاسقاط عبود بالمظاهرات الطلابية بجامعة الخرطوم في أعقاب ندوة امها الطلاب عن الوضع السياسي الراهن .. وفي اليوم الحادي والعشرين من اكتوبر قتل نتيجة تصاعد العنف الطلابي احد طلاب جامعة الخرطوم بطلق رصاص طائش .. ومن المفارقات التاريخية في ضحايا الحراك السياسي لتحالفات الاحزاب السياسية المتاجرة بارواح الضحايا للصعود بارواحهم الى كراسي الحكم ..
.. ضاعف من زيادة الاحتقان القاء القبض على اثنين من القضاة كان احدهما بابكر عوض الله الذي تراس مجلس الوزراء في حكم نميري “فيما بعد” وكان العضو المدني الاوحد في مجلس قيادة ثورة مايو ١٩٦٩م ..
.. ازدادت وتيرة المظاهرات والضغط الشعبي حتى انهار النظام وبقي الرئيس عبود الذي كان قلقاً فيما بعد بسكنه منتظرا اجراء تسوية سياسية تمكنه من تسليم السلطة بصورة امنة فقد انتظر حتى تمت تسوية الأمور وحين ضمنها لنفسه تقاعد في اليوم الخامس عشر من نوفمبر 1964م ..
.. بموجب اتفاق ابرم مع تحالف جبهة الهيئات اصبح سر الختم الخليفة رئيساً للوزراء واعيد العمل بالدستور الانتقالي وتشكلت لجنة من خمسة اعضاء من الاحزاب القومية وثمانية اعضاء من جبهة الهيئات وعضوين من الجنوب ..
.. عقب اربعة اشهر من ثورة اكتوبر في مارس ١٩٦٥م تم إجراء اول انتخابات برلمانية عقب الثورة فاز فيها حزب الأمة بـ ٧٥ مقعد من اصل ١٥٨ مقعد وفاز حزب الاتحادي الوطني بـ ٥٢ مقعد .. وشاركت المراة لأول مرة في الانتخابات في تاريخ البلاد .. وهكذا اصبح محمد احمد المحجوب رئيساً للوزراء بينما حقق الازهري طموحه أن صار رئيسا للدولة بعدة ان نصب رئيسا دائما للمجلس الرئاسي الاعلى الذي كان في السابق يتعاقب على رئاسته ٥ أعضاء بصورة دورية ..
.. تجددت الصراعات السياسية بين الاحزاب من جديد حيث حدد المحجوب سياسته بسحق التمرد بجنوب السودان وازاحة الحزب الشيوعي السوداني من مفاصل الدولة وسعى لذلك حتى اجاز البرلمان قراراً بطرد الاحد عشر نائباً برلمانيا الذي يتبعون للحزب الشيوعي مما ادى الى هبوط اعضاءه الى ممارسة العمل السري عبر الخلايا المنظمة وكذلك ظهرت الخلافات بين رئيس الدلة الازهري ورئيس الوزراء المحجوب في تولى ايهما السيطرة على السياسة الخارجية وهذا ما رفضه المحجوب واصر على القيام بمهام منصبه وتم التصويت على ذلك في العام ١٩٦٦م .. وادى ذلك الى حجب الثقة في الحكومة ..
.. في يوليو ١٩٦٦م اضطر المحجوب إلى الاستقالة وهذا ما احدث انشقاق بحزب الامة .. الشق الاول بزعامة المحجوب وتاييد الإمام الهادي المهدي والشق الآخر بزعامة الصادق المهدي الذي عين رئيسا للوزراء ..
.. نتيجة الانشقاق برز تحالف مفاجئ بين حزب الامة “جماعة المحجوب” والحزب الوطني الاتحادي انهيت بموجبه حكومة الصادق المهدي وخلفه محمد احمد المحجوب رئيسا للوزراء لحكومة تحالف ائتلافي مرحلي ضمت الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي بينما استقل الازهري ذلك الضعف في حزب الامة وضم حزب الشعب الديمقراطي والاتحادي الوطني في حزب جديد أسماه حزب الاتحاديين الديمقراطي ..
.. احتدم الصراع السياسي بين الاحزاب المتحالفة عندما حل المحجوب البرلمان مما ترتب عليه ولاول مرة في التاريخ السياسي ظهور “حكومتان” في الوقت نفسه واحدة تجتمع داخل بناية البرلمان وأخرى تلتقي في فناء المبنى .. ونظرا لذلك الوضع الدستوري الشائن كتب القائد الاعلى للقوات المسلحة الى المحكمة العليا يطلب تبيان اي الحكومتين هي صاحبة السلطة التشريعية حيث قضت المحكمة ان المحجوب هو الرئيس الشرعي للحكومة واصدرت المحكمة امرا باجراء انتخابات مبكرة في ابريل ١٩٦٨م ..
.. هذه المرة فاز حزب الاتحاديين الديمقراطيين بزعامة الازهري ب ١١٠ مقعدا من ٢١٨ مقعد بفارق ٩ مقاعد من الأغلبية المطلقة بينما فاز حزب الامة جناح المحجوب ب ٣٦ مقعدا وجناح الصادق المهدي ب ٣٠ مقعد والاحزاب الجنوبية ب ٢٥ مقعد ومقعد “واحد فقط” للحزب الشيوعي السوداني ..
.. هكذا حصل المحجوب مرة اخرى على منصب رئيس الوزراء و”عادت حليمة لعادتها القديمة” تغلغلت الصراعات في الحكومة المدنية الثانية نتيجة خلافها على طبيعة الدستور والجمهورية ما اذا كان الدستور اسلاميا او علمانيا وما اذا الجمهورية ستكون رئاسية او برلمانية وفي النهاية اصدرت الاحزاب بيانا في ٢٣ مايو ١٩٦٩م قالت فيه أنه تم الاتفاق على ان يكون الدستور اسلاميا والجمهورية رئاسية وان الدستور الدائم سيكون جاهزاً في غضون ٦ أشهر على ان تجري الانتخابات الرئاسية في مطلع ١٩٧٠م ..
.. علي اثر تلك الصراعات استلم الحكم مرة اخرى بواسطة القوات المسلحة في مايو ١٩٦٩م بانقلاب قادته خلايا اليسار داخل الجيش لقطع الطريق امام اعتماد الدستور اسلاميا ولضعف تمثيل اليسار في اي برلمان قادم لعدم امتلاكه القاعدة الجماهيرية داخل المجتمع السوداني المحافظ الرافض لعلمانية الدولة .. بانقلاب اليسار على النظام الديمقراطي اقحمت القوات المسلحة للمرة الاولى في دائرة الاستقطاب السياسي وهكذا انقضت فترة اخرى من التحالفات السياسية الهشة التي تسببت فيها الاحزاب السياسية المتهالكة وصراعاتها وانشقاقاتها دون مراعاة الثوابت الوطنية ..
التعليقات مغلقة.