الرشيد مهدي ..السينمائي السوداني الأول (1)

الرشيد مهدي ..السينمائي السوداني الأول (1)
*(١١) عاما من الرحيل…*. *17 رمضان 1429-2008*

بروفسير:هشام عباس زكريا

*Alrasheed Mahdi .. The First Cinematographer*

 

*يصادف يوم السابع عشر من رمضان1441 ه الذكرى الحادية عشرة لرحيل أبو السينما السودانية الأستاذ الرشيد مهدي*

وبهذه المناسبة يسرني أن أقدم للقارئ العزير حلقات من سيرة أستاذنا الكبير أبدأها بالجزء الاول….

عند ملتقى نهر النيل مع نهر عطبرة في شمال السودان تبدو مدينة عطبرة التى شهدت أحداث أول فيلم سينمائي روائي في السودان وتعتبر ضمن أهم سبع مدن في السودان وقد تعددت الروايات في أصل إسم عطبرة وأشهرها رواية الدكتور جعفر ميرغنى التى تفيد بأن الكلمة تتكون مـن مقطعـين *( أد ) و ( بارا )حيث تعنى أد ( بحر ) بلغة العنج و باراً تعنى ( مروى ) في اللغة المروية القديمة فيصبح معنى الكلمة مجتمعة( بحر مروى )*

ويعتبر حي ( الداخلة بجانب السيلة ) على الشريط مع النيل هما أصل المدينة التى برزت في عام 1906م مع وصول خط السكة حديد إليها ونقل الورش من مدينة حلفا، وما حلّ عام 1910م حتى عمّ التيار الكهربائي المكاتب الحكومية وبعض المنازل وتمّ بناء المستشفى وافتتح السوق وبدأت المدينة تجذب العّمال إليها فوفد الكثير من مواطني السودان بجانب أهالي الداخلة والسيالة ليتشكل مجتمع جديد في عطبرة من كل أعراق البلاد لتصبح الحياة مبنية على المؤسسات المدنية وليست على الانتماء القبلي لذا كان من الطبيعي أن تشهد المدينة أول تنظيم نقابي في البلاد وتسمو طموحات مواطنيها من الاهتمام بالقضايا المحلية إلى آفاق القضايا الوطنية.

في هذه المدينة *نشأ الرشيد مهدى* وتشرب من دفقات هذا الطقس الوطني وتدرج في التعليم حتى تخرج في كلية غردون التذكارية “قسم النجارة” في العام 1940م التى أصبحت فيما بعد مدرسة أم درمان الصناعية وأبرز تفوقاً جعله الأول على دفعته وحاول الأستاذ أحمد غندور مدير مدرسة أم درمان الصناعية في تلكم الفترة تعيين (الرشيدمهدى) أستاذاً للنجارة لكنه لم يرغب في ذلك وسافر إلى عطبرة…

*الرشيد مهدى في عطبرة – 1943م*
عندما وصل الرشيد مهدى إلى عطبرة التحق بورشة حسن محمود مكاوي بسوق (القيقر) وكانت ورشة تمتاز بأجمل إنتاج قطع الموبيليا المصنوعة والمطعمة بخشب القشرة (والفورمايكا)، ثمّ بعد ذلك التحق بورشة صناعة عربات الركاب والبضاعة وهذا القسم يمتاز بإنتاج عربات الصوالين و العربات الأخرى كعربات النوم والدرجة الأولى و الثانية و الثالثة ، و قد برزالرشيد في ورشة العربات و النجارين بقدراته

في الأشغال الجديدة الممتازة ، في تلكم الفترة بدأت قصة الرشيد مهدي مع التصوير الفوتوغرافي وسار على هذا الطريق بحب و هواية فقد كان يحب غروب الشمس فيجلس عند الملتقى يتطلع في مشهدها و هي ترسل أشعتها الذهبية فتضفي على ضفة النهر صورة من إبداع الخالق عزٌ وجل ،و فجأة تتشكل الحياة أمامه فيرى صوراً تهتز لها جوانحه ويطرب لها فؤاده فتدق نوابضه ويسجلها قلبه ، فأضحى الرشيد مصوراً بدون معلم حيث كانت الطبيعة أذكى و أفضل معلــم لـــــه ، و فن الكاميرا هو فن تطويع الضوء لصناعة الصــــورة فأمتلك أول و أفضـل كاميرا تصوير فوتوغرافـي فـي ذلكــم الوقت وكانت كــاميرا ” لينهوف تكنيكا ” .

*استديو الرشيد الفوتوغرافي 1949 م*
لم تكن مدينة عطبرة في الأربعينيات تعرف الاستديو الفوتوغرافي بالمعنى المتعارف عليه و لكن الرشيد مهدي كان يمارس التصوير كشخص هاوي ، إلا أن تشجيع من حوله و الإفادات التي تلقاها من الصحفيين الذين استعانوا بصوره جعلته يفكر في احتراف مهنة التصوير،

يقول الأستاذ أمين الرشيد مهدي إن والده اختار غرفة خاصة بمنزلهم بعطبرة و صممها بطريقة تؤدي مهام الاستديو حيث كان يقوم بتصوير الأهل و المناسبات الخاصة و عمل في الفترة من العام 1943 و حتى العام 1948 في ” برندة ” تابعة للشيخ إبراهيم الشوش الذي كان يمثل ثلاثي القيادة في عطبرة مع رفيقيه العمدة السرور السافلاوي و الشيخ الريح السنهوري ، وهنا يسجل التأريخ موقفا مشرفاً للشيخ إبراهيم الشوش الذي كان يملك عقلية متقدمة حيث كان له راديو كبير ينقل أخبار الحرب العالمية الثانية أمام دكانه مجانا للجماهير و في ذلك الوقت شجع الرشيد مهدي ليمارس التصوير بصورة حرفية أمام متجره ، بعد ذلك حدثت نقلة كبرى في حياة الرشيد مهدي الفنية عندما افتتح استديو الرشيد مهدي في العام 1949 كأول استديو بشمال السودان ، ولم تكن عقلية الرشيد في التصوير تجارية بحتة و لكنه كما يصور لغيره فإنه كان يصور لنفسه و إذا كان ( الطبيب ) يعطــــــــــــــــــي ( المريض ) بطاقة مقابلة ويحفظ لنفسه سجل خاص بالمريض فإن الرشيد مهدي كان يعطي الصور لقاصديه و لكنه يحتفظ بصور خاصة للاستديو مما جعله ذاكرة متقدة في المنطقة فصور أعظم الشخصيات السياسية و الثقافية و الفنية ولحظات استقلال السودان و وثق لتطور السكة الحديد و لسلاح المدفعية بعطبرة و أهم المنشآت الجديدة هذا إضافة لأحداث المجتمع و المناسبات الخاصة .

لقد كانت روح الرشيد مهدي تتطلع دائما إلى المعرفة و التطور و استفاد كثيراً من علاقته بالمهندس البريطاني “ماكنزى” مدير ورش النجارين الذي كان دائم التشجيع للرشيد بل خلق له علاقات واسعة مع شركة “كوداك” البريطانية التى دعته للتدريب في فرعها بالقاهرة كما أنه كان يقوم باستيراد الأفلام ثم تحميضها مباشرة في “لندن” عبر بوستة عطبرة.

لقد ترك الرشيد مهدى تراثاً من الصور الفوتوغرافية النادرة مما أهله أن يكون عضواً في *الجمعية السودانية الفرنسية للتصوير الفتو غرافى* وشارك بمعرض للصور في العاصمة الفرنسية (باريس) ثم في العاصمة المالية (با ماكو).

*ونواصل إنشاء الله الجزء الثاني*….

التعليقات مغلقة.