الحلقة الثامنة: البروفيسور مأمون حميدة وإسهاماته في أبحاث وبرامج مكافحة عمى الانهار والتراكوما في السودان
صفحات مضيئة من تاريخ مكافحة العمى فى السودان
بقلم: بروفيسور كمال هاشم
يحتل البروفيسور مأمون محمد علي حميدة مكانة بارزة في تاريخ مكافحة الأمراض المسببة للعمى في السودان، ولا سيما في مجال العمى النهري (Onchocerciasis) والتراكوما، حيث تولى مهام ادارة برنامجي عمى الانهار والتراكوما منذ النصف الثاني للتسعينيات حتى 2003م، وتأتي أهمية دوره في أنه جمع بين البحث العلمي والعمل البرنامجي والتنسيق الدولي، في مرحلة كانت فيها مكافحة الأمراض المدارية المسببة للعمى في السودان تواجه تحديات جغرافية وسياسية وأمنية بالغة التعقيد.
ولا تشير الوثائق الدولية إلى أن دوره كان مجرد دور أكاديمي أو استشاري محدود، بل توثقه بصفته رئيساً لفريق العمل الوطني لمكافحة العمى النهري (National Onchocerciasis Task Force)، وعضواً ثم رئيساً للجنة الاستشارية الفنية (TCC) للبرنامج الأفريقي لمكافحة العمى النهري APOC، كما ظهر اسمه في برامج منظمة الصحة العالمية ومركز كارتر المتعلقة بالعمى النهري والتراكوما.
البحث في العمى النهري وعلاج مرضى السودان
بدأ إسهام حميدة في مجال العمى النهري من خلال البحث العلمي المباشر في المرض وعلاجه. فقد كان الباحث الرئيسي في دراسة سودانية مبكرة حول سلامة وتحمل الإيفرمكتين (Ivermectin/Mectizan) لدى الرجال السودانيين المصابين بداء كلابية الذنب، وهي دراسة حظيت بدعم مشروع منظمة الصحة العالمية للعلاج الكيميائي للعمى النهري وبتمويل من المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية.
كما شارك في دراسات تناولت الجوانب الدوائية والبيولوجية للإيفرمكتين، من بينها دراسة توزيع الدواء في البلازما والأنسجة لدى المصابين بالمرض، والتي نشرت في European Journal of Clinical Pharmacology عام 1996.
وشارك كذلك في بحث تناول مدى فعالية الإيفرمكتين والاستجابة المناعية له لدى مرضى العمى النهري، ونشر في Acta Tropica عام 2002، مع باحثين سودانيين ودوليين.
وتكشف هذه الدراسات أن اهتمام حميدة لم يكن منصباً على توزيع الدواء فحسب، وإنما شمل الفعالية العلاجية، والتحمل، والحركية الدوائية، والاستجابة المناعية، وهي موضوعات كانت ذات أهمية مباشرة في تطوير برامج العلاج الجماعي بالإيفرمكتين.
الانتقال من البحث إلى البرنامج الوطني
كان التحول الأهم في مسيرته عندما أصبح من الشخصيات الرئيسية في بناء الإطار الوطني لمكافحة العمى النهري.
وتوضح وثائق APOC التابعة لمنظمة الصحة العالمية أن فريق العمل الوطني لمكافحة العمى النهري في السودان (NOTF) أُنشئ استجابة لمتطلبات APOC، وأن البروفيسور مأمون حميدة كان رئيساً له. كما كانت الاتصالات مع برنامج مكافحة العمى النهري في جنوب السودان تتم من خلاله في الخرطوم وبالتعاون مع مركز كارتر وبرنامج Global 2000.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية استثنائية بسبب الحرب الأهلية التي كانت تقسم السودان آنذاك. فقد وثقت منظمة الصحة العالمية أن جهود مكافحة العمى النهري تمكنت، بعد الهدنة الإنسانية عام 1995، من بدء العلاج الجماعي بالإيفرمكتين على جانبي مناطق النزاع. وبحلول وقت إعداد أحد تقارير APOC كان أكثر من 140 ألف شخص قد تلقوا الميكتزان مرة واحدة على الأقل، مع ثبوت سلامة العلاج وارتفاع الطلب عليه في المجتمعات الموبوءة.
وكان حميدة من الشخصيات التي ساعدت على بناء نموذج للتعاون بين الأطراف المختلفة؛ إذ أعدت الخطة الوطنية لمكافحة المرض بصورة شملت المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة والمناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، مع وجود مشروعين للعلاج المجتمعي الموجّه بالإيفرمكتين (CDTI) للقطاعين الشمالي والجنوبي. وقد وصفت وثيقة APOC هذه الخطة بأنها أول محاولة وطنية متكاملة لمكافحة المرض في السودان.
وهذا جانب مهم من إرث حميدة؛ فمكافحة العمى النهري في السودان لم تكن في تلك المرحلة مجرد برنامج علاجي، بل أصبحت نموذجاً للتعاون الصحي عبر خطوط النزاع.
دوره في تطوير استراتيجية العلاج المجتمعي الموجّه
ارتبط اسم مأمون حميدة بصورة وثيقة باستراتيجية Community-Directed Treatment with Ivermectin (CDTI)، وهي إحدى أهم الابتكارات البرمجية في مكافحة العمى النهري في أفريقيا.
وقد شارك في تأليف الورقة المرجعية لـAPOC المنشورة عام 2002 بعنوان:
“APOC’s strategy of community-directed treatment with ivermectin (CDTI) and its potential for providing additional health services to the poorest populations.”
وكانت الورقة تبحث في كيفية جعل المجتمعات نفسها شريكاً في تنظيم وتوزيع الإيفرمكتين، بدلاً من الاعتماد الكامل على النظام الصحي المركزي.
وقد أصبحت هذه الاستراتيجية ذات أهمية تتجاوز العمى النهري؛ إذ أظهرت الخبرة الأفريقية أن المجتمع المحلي يمكن أن يصبح منصة لتقديم تدخلات صحية أخرى، خصوصاً في المناطق الريفية المحرومة من الخدمات الصحية المنتظمة. وهذا ما جعل CDTI لاحقاً جزءاً مهماً من التفكير في دمج برامج مكافحة الأمراض المدارية المهملة مع الرعاية الصحية الأولية.
ولم يقتصر دور حميدة هنا على التأليف؛ ففي عام 2007 كلفت APOC مجموعة من ستة خبراء، برئاسة البروفيسور مأمون حميدة، بإعداد منهج تدريبي واستراتيجي حول Community-Directed Intervention (CDI) لكليات الطب والعلوم الصحية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الهدف كان نشر هذه الاستراتيجية بين الأجيال الجديدة من العاملين الصحيين في أفريقيا.
وهذه ربما من أكثر مساهماته أهمية على المستوى الأفريقي: المشاركة في تحويل تجربة مكافحة العمى النهري من برنامج متخصص إلى نموذج للصحة المجتمعية يمكن تطبيقه على أمراض وتدخلات متعددة.
التعاون مع مركز كارتر في مكافحة العمى النهري
كان حميدة أيضاً جزءاً من الشراكة الدولية بين السودان وThe Carter Center Global 2000 River Blindness Program.
وتوضح الدراسات المنشورة أن برنامج مركز كارتر ساعد وزارة الصحة السودانية على توزيع الإيفرمكتين في المناطق الخاضعة للحكومة، كما تعاون مع منظمات غير حكومية تعمل من نيروبي لتوفير العلاج في مناطق جنوب السودان الخاضعة للمعارضة.
وفي دراسة منشورة في American Journal of Tropical Medicine and Hygiene عام 2001 حول دور مركز كارتر في برامج مكافحة العمى النهري، ظهر اسم حميدة ضمن الفريق الذي تناول وضع أهداف العلاج وآليات مراقبة إيصال الإيفرمكتين إلى السكان المستهدفين.
كما كان مشاركاً في مراجعات APOC الفنية، حيث توثق وثائق منظمة الصحة العالمية عضويته ورئاسته للجنة Technical Consultative Committee (TCC)، وهي اللجنة التي اضطلعت بدور علمي وتقني مهم في توجيه البرنامج الأفريقي لمكافحة العمى النهري.
إسهامه في مكافحة التراكوما
لم يقتصر نشاط حميدة على العمى النهري؛ فقد كان له دور موثق في البرنامج السوداني لمكافحة التراكوما.
وتذكر تقارير مركز كارتر صراحة أن البروفيسور مأمون حميدة كان National Coordinator, Sudan Trachoma Control Program. كما قاد، في مايو 1999، فريقاً من وزارة الصحة السودانية أجرى أول مسوح سكانية واسعة للانتشار في منطقتين من السودان، بمساعدة فنية ومالية من مركز كارتر. شملت المسوحات وادي حلفا في الشمال وملكال في الجنوب.
وكانت نتائج تلك المسوحات ذات أهمية كبيرة في إعادة تعريف حجم المشكلة. فقد أظهر مسح عام 1999 في منطقة ملكال معدلات مرتفعة جداً من التراكوما النشطة، كما أظهر مسح وادي حلفا معدلات مماثلة. وبيّن التقرير أن التراكوما لم تكن مشكلة محصورة في شمال السودان، وإنما كانت أيضاً مشكلة رئيسية في جنوب البلاد، مع وجود دلائل على انتشارها في مناطق أخرى من السودان.
كما شارك حميدة في الدراسات المنشورة حول التراكوما في جنوب السودان؛ ومن بينها دراسة قدمت في Investigative Ophthalmology & Visual Science عام 2002 لتحديد معدل انتشار المرض قبل تنفيذ تدخلات المكافحة.
وكانت أهمية هذه المرحلة أنها وفرت خط الأساس الوبائي الذي تحتاجه برامج المكافحة لتحديد المناطق ذات الأولوية وتوجيه تدخلات SAFE.
وفي عام 2000 أطلق السودان برنامج مكافحة التراكوما بمساعدة Lions-Carter Center SightFirst Initiative والتبرع بالأزيثروميسين من شركة Pfizer، وتشير التقارير إلى أن قرابة 11 ألف شخص تلقوا العلاج في المرحلة الأولى. ويظهر اسم حميدة في تقرير مركز كارتر بوصفه الشخصية السودانية التي تولت إطلاق البرنامج ميدانياً.
دوره في المنظومة الدولية لمكافحة الأمراض المسببة للعمى
تُظهر وثائق منظمة الصحة العالمية وAPOC أن حميدة لم يكن مجرد ممثل للسودان في هذه البرامج، وإنما كان عضواً في دوائر صنع السياسات الفنية على المستوى الأفريقي.
فقد شغل عضوية ورئاسة Technical Consultative Committee للبرنامج الأفريقي لمكافحة العمى النهري APOC في مراحل مختلفة، وشارك في أعمال WHO/TDR المتعلقة بالتدخلات المجتمعية، كما شارك في لجان دولية مرتبطة بتقييم فعالية الأدوية.
كما ارتبط اسمه ببحوث أخرى في الأمراض المدارية المهملة، بما فيها الدراسات المتعلقة بالبلهارسيا والعدوى الطفيلية، وهو ما يوضح أن رؤيته لمكافحة العمى النهري كانت جزءاً من رؤية أوسع لمكافحة الأمراض المدارية في المجتمعات الفقيرة.
أهم المراجع والمصادر
1. Homeida MMA, Goepp I, Ali MM, Hilyer E, Mackenzie CD. Medical achievements under civil war conditions. Lancet. 1999;354:601.
2. Homeida M, Braide E, Elhassan E, et al. APOC’s strategy of community-directed treatment with ivermectin (CDTI) and its potential for providing additional health services to the poorest populations. Ann Trop Med Parasitol. 2002;96 Suppl 1:S93-S104.
3. Baraka OZ, Kheir MM, Ahmed KM, et al. Community based distribution of ivermectin in eastern Sudan: acceptability and early post-treatment reactions. Trans R Soc Trop Med Hyg. 1995;89:316-318.
4. Baraka OZ, Mahmoud BM, Marschke CK, et al. Ivermectin distribution in the plasma and tissues of patients infected with Onchocerca volvulus. Eur J Clin Pharmacol. 1996;50:407-410.
5. Ali MMM, Mukhtar MM, Baraka OZ, Homeida MMA, Kheir MM, Mackenzie CD. Immunocompetence may be important in the effectiveness of Mectizan (ivermectin) in the treatment of human onchocerciasis. Acta Trop. 2002;84:49-53.
6. Shamad M, Musa’ad S, Homeida M. Onchocerciasis in Sundus area: Skin and Eye manifestation. Sudan J Dermatol. 2004;2(1):20-26.
7. WHO/APOC. Report on the situation of onchocerciasis control in Sudan, including the National Onchocerciasis Task Force and national CDTI plans.
8. WHO/APOC. Curriculum and training module on the Community-Directed Intervention (CDI) strategy, developed by an expert group chaired by Prof. Mamoun Homeida.
9. The Carter Center. Sudan Trachoma Control Program – Annual Program Review reports, documenting Prof. Homeida as National Coordinator and the 1999 population-based surveys.
10. The Carter Center. 1999–2000 Annual Report, documenting the launch of Sudan’s Trachoma Control Program and the role of Prof. Homeida.
التعليقات مغلقة.