شندي : رحاب إبراهيم
من بين ركام الحرب، خرجت مجموعة أصيل القابضة في رحلة لإعادة تشغيل مصانعها وبناء منظومة إنتاج جديدة بولاية نهر النيل، بعد أن تعرضت منشآتها في الخرطوم للنهب والحريق، لتبدأ من شندي بمصنعي الصابون والبلاستيك، قبل أن تتوسع تدريجياً إلى منظومة صناعية تشمل 11 مصنعاً، إلى جانب قطاع دواجن متكامل، وفقاً لما كشفه المدير التنفيذي للمجموعة المهندس محمد عثمان حماد، والمدير الفني المهندس محمد عبد الحميد، خلال زيارة و زير الثروة الحيوانية و السمكية بروف أحمد التجاني المنصوري و مجموعة من الصحفيين في مقر المجموعة بمدينة شندي .

البداية من تحت التهديد
وقال حماد إن قرار المجموعة عقب اندلاع الحرب لم يكن مغادرة البلاد، وإنما إخراج ما يمكن إنقاذه من معدات المصانع وإعادة تشغيلها في موقع آمن.
وأوضح أن المجموعة كانت تمتلك نحو 17 مصنعاً في شارع الصناعات بالخرطوم، تعرضت منشآتها للنهب والحريق، مشيراً إلى أن نقل المعدات جرى في ظروف بالغة التعقيد وتحت تهديد السلاح.
وأضاف أن المجموعة بدأت نشاطها في شندي خلال العام 2023 في شهر أغسطس ، بمصنع «فريش» للصابون ومصنع البلاستيك، قبل أن تتوالى عمليات التشغيل والتوسع.
وبحسب حماد، لم تحصل المجموعة حتى الآن على تمويل مصرفي، إذ اعتمدت في توسعها على تدوير رأس المال الناتج من تشغيل المصانع، بحيث ساهمت أرباح مصنع في تمويل إنشاء وتشغيل مصنع آخر.
وقال إن هذه الآلية بدأت بمصنع فريش، ثم توسعت إلى مصانع المياه والبسكويت والعصائر والتعبئة والدواجن والكرتون والكراس، مؤكداً أن «العجلة بقت مدورة».

11 مصنعاً.. وقطاع دواجن متكامل
من جانبه، أوضح المهندس محمد عبد الحميد أن المجموعة استأنفت نشاطها في شندي بمصنعي الصابون والبلاستيك، ثم دخل مصنع البسكويت الخدمة في بداية 2024، تلاه التوسع في منتجات العصائر والأرز والعدس والشاي، ثم الكرتون والكراس والمنتجات المكتبية.
وأشار إلى أن عدد المصانع القائمة حالياً يبلغ 11 مصنعاً بخلاف قطاع الدواجن.
وكشف أن إنتاج الدواجن الحالي يصل إلى نحو 350 طناً شهرياً، مع توسعة جديدة تضم 15 حظيرة في مشروع ملحق، يمكن أن ترفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 650 طناً شهرياً في المشروعين.
وتشمل منظومة الدواجن، بحسب المجموعة، الحظائر والفقاسات ومصنع الأعلاف والمجزر، بما يسمح بإدارة سلسلة الإنتاج بصورة متكاملة.
من الحظيرة إلى المجزر
وقال حماد إن مشروع الدواجن بدأ بحظيرتين قبل أن يتوسع إلى خمس حظائر، في وقت كانت فيه إمدادات الدواجن محدودة، فيما كانت بعض المشروعات القائمة تعمل بجزء محدود من طاقتها.
وأضاف أن المجموعة واجهت مشكلة توفير المجزر، قبل أن تشتري مجزرها الخاص في 2024، وبدأ تشغيله في سبتمبر من العام ذاته.
وكشف عن اعتماد المجزر على وحدة تجفيف تعمل بدرجة حرارة تبلغ 170 درجة، بهدف تقليل المياه والدم داخل المنتج بعد الذبح، وقال إن هذه التقنية تمنح المنتج، وفقاً للمجموعة، وزناً أكثر ثباتاً وتحد من الرائحة المرتبطة بالمياه والدم.
كما اتجهت المجموعة إلى امتلاك فقاساتها الخاصة، بهدف تقليل اعتمادها على الشركات الخارجية في توفير الكتاكيت.

الأعلاف والكرتون.. إغلاق حلقات الإنتاج….
وأوضح حماد أن المجموعة تمكنت من تشغيل مشروع الدواجن بطاقة إنتاجية تصل 3000 طائر في الساعة .
وفي المقابل، واجهت المجموعة خسارة كبيرة في مصنع الكرتون والكراس بأم درمان خلال الحرب ، الذي قال حماد إنه تعرض للحريق خلال الحرب، وكان يحتوي على كميات من الكرتون والكراس الجاهز تقدر تكلفته 35 تريلون في المنتج فقط .
وأضاف أن توقف مصانع الكرتون في البلاد تسبب في أزمة تغليف، قبل أن تستورد المجموعة خط إنتاج جديداً وتعيد تشغيل قطاع الكرتون والراس الذي يعتبر الأكبر في أفريقيا .
وقال إن الموقع الجديد يجري العمل فيه ليكون مجمعاً للمنتجات الورقية والمدرسية والمكتبية.
زراعة ألف فدان…..
ولم تتوقف خطة المجموعة عند التصنيع، إذ كشف حماد عن زراعة نحو ألف فدان قمح ضمن توجه المجموعة لربط الإنتاج الصناعي بالنشاط الزراعي.
وقال إن المساحات المزروعة تستهدف توفير احتياجات البلاد من بعض المنتجات لفترة وصلت ، بحسب تقديره، إلى عامين.
13 مركزاً.. من المصنع إلى المستهلك
وكشف حماد عن امتلاك المجموعة نحو 13 مركزاً في عدد من الولايات، ضمن سياسة تستهدف تقليل حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك.

وقال إن المجموعة عملت على بناء نظام توزيع مباشر عبر هذه المراكز، لتقليل المراحل التي تمر بها السلعة قبل وصولها إلى المستهلك.
وأشار إلى أن اختلاف الأسعار بين الولايات يرتبط بصورة أساسية بتكاليف الترحيل والنقل، إلى جانب الرسوم المختلفة التي تتحملها السلع أثناء انتقالها بين الولايات.
وأعلن أن المجموعة مواصلة في تشغيل مراكز البيع المباشر، رغم توقف بعض الأنشطة المماثلة نتيجة ارتفاع تكلفة الدولار وصعوبة الظروف الاقتصادية.
400 موظف و 2800 عامل
وقال مدير الموارد البشرية بالمجموعة، سراج مصطفى، إن عدد العاملين بالمجموعة في ولاية نهر النيل يبلغ نحو 2800 عامل، إلى جانب نحو 400 موظف، بينما تمتلك المجموعة سبعة مصانع في الخرطوم، موزعة بين أم درمان وبحري، فضلاً عن مصانعها في نهر النيل.
وأوضح أن المجموعة تعمل كذلك عبر الشركة السودانية للصناعات الخشبية، فيما تقتصر شراكاتها، بحسب حديثه، على شراكة مع الفرقة الثالثة في مجال المياه.
الضرائب والجبايات.. معركة أخرى
وفي جانب آخر، طرح حماد واحدة من أكثر القضايا التي تواجه الصناعة، وهي تعدد الضرائب والرسوم والجبايات.
وقال إن بعض المصانع تجد نفسها مطالبة برسوم في أكثر من ولاية، إلى جانب الرسوم المحلية ورسوم أخرى مرتبطة بالنقل والتوزيع.
وانتقد ما وصفه بتعدد النوافذ في الجبايات، وقال إن الصناعة الوطنية تتحمل تكاليف الكهرباء والمياه والوقود التجاري، إلى جانب الضرائب والرسوم.
وأكد أن مطلب الصناعيين ليس إلغاء الضرائب، وإنما تحقيق العدالة وتوحيد إجراءات التحصيل والحد من التهريب والجبايات التي ترفع تكلفة المنتج.

كما تحدث عن صعوبات تواجه مراكز التوزيع، خاصة في القضارف وبورتسودان، بسبب الرسوم المحلية، مشيراً إلى أن بعض هذه المراكز لم تحقق، وفق قوله، العائد المتوقع منها.
أزمة الكرتون.. وكلفة التشغيل
وفي مثال على ارتفاع تكلفة الإنتاج، أشار حماد إلى أن غلاية مصنع الكرتون تحتاج إلى نحو 12 برميلاً من الوقود في الساعة، وقال إن سعر البرميل يصل إلى نحو ملياري جنيه، ما يضع تكلفة التشغيل والطاقة في مقدمة التحديات التي تواجه الصناعة.
ووصف المصنع، بحسب حديثه، بأنه من أكبر مصانع الكرتون في القارة الأفريقية.
المسؤولية المجتمعية
إلى جانب الإنتاج، قال حماد إن للمجموعة برامج واسعة في مجال المسؤولية المجتمعية، تشمل قوافل إسناد لعدد من المناطق المتأثرة بالحرب والاحتياجات الإنسانية.
وتأتي هذه البرامج، بحسب المجموعة، ضمن توجه لربط النشاط الصناعي بالمجتمع الذي تعمل فيه، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية التي تمر بها البلاد.

الصناعة من أجل البقاء
وتختصر تجربة أصيل، وفق ما عرضه مسؤولو المجموعة، نموذجاً لصناعة تحاول إعادة بناء نفسها في بيئة مختلفة تماماً عن تلك التي بدأت فيها، من مصانع تعرضت للنهب والحريق في الخرطوم، إلى منشآت أعيد تشغيلها في شندي، ثم التوسع في الإنتاج الزراعي والغذائي والورقي والدواجن.
ويرى مسؤولو المجموعة أن التحدي المقبل لا يتمثل فقط في زيادة عدد المصانع، وإنما في حماية الإنتاج المحلي من ارتفاع التكلفة، وتسهيل حركة السلع بين الولايات، وتقليل الجبايات، وفتح الطريق أمام الصناعة السودانية لتغطية السوق المحلي ثم الانتقال إلى التصدير.
التعليقات مغلقة.