رحاب ابراهيم… تكتب…. المسافات…. بعد العملية تبدأ المجازفة.. مرضى أم درمان على الأكتاف

نحن لا نعيش في ظروف طبيعية.. هذه حقيقة لا يجادل فيها أحد ، الحرب أكلت من إمكانات البلاد، وكسّرت مؤسساتها، وتركت الدولة والمواطن معاً أمام واقع قاسٍ، وأصبح توفير أبسط الاحتياجات اليومية في حد ذاته معركة.
لكن هناك أشياء لا يجوز أن تصبح الحرب ذريعة للصمت عنها..سلامة المريض واحدة منها.

أمس دخل أخي عصام إبراهيم رمضان مستشفى أم درمان التعليمي لإجراء عملية جراحية. خرج من غرفة العمليات، وكان يفترض أن تبدأ رحلة التعافي. لكن رحلة أخرى بدأت..
رحلة السلالم.. عنبر المرضى في الطابق الثاني من مبنى، ومجمع العمليات في الطابق الثاني من مبنى مجاور، وبين الاثنين مريض خرج لتوه من التخدير والجراحة، ولا يوجد أسانسير ولا سلم منحدر لتسير عليها النقاله الموجود فقط سلم درج .

الحل؟ يحملونه على الأكتاف وهو منوم في نقاله لها ارجل عجلات ولكن أين ستسير تخيلوا المشهد.. مريض لم يستعد عافيته بعد، قد تكون عليه جروح وألم وتعب، وخوف يُرفع على أكتاف الرجال ويُحمل عبر سلم ضيق، ثم ينزل ويصعد إلى مبنى آخر.

السؤال البسيط الذي أبحث له عن إجابة:ماذا لو سقط؟ لا سمح الله؟ من يتحمل المسؤولية ؟ وماذا لو كان المريض كبير السن؟ أو شديد الألم؟ أو ثقيل الوزن؟ أو لا يملك أسرة كبيرة من الرجال القادرين على حمله؟
هل صُممت رحلة المريض بعد العملية بهذه الطريقة؟وهل يعلم مدير مستشفى أم درمان التعليمي أن مريضاً يخرج من غرفة العمليات ليُحمَل على الأكتاف بين مبنيين؟ وهل تعلم وزارة الصحة بذلك؟
هذه ليست رفاهية.. هذه سلامة أرواح.

ولم تنتهِ الحكاية هنا. النقالة التي حُمل عليها أخي كانت، بكل أسف، ملوثة بشكل واضح، وعليها أوساخ وآثار دماء متيبسة وملتصقة بها.
أما العنبر.. فحدث ولا حرج أسِرّة متسخة، وبعضها مثبت بالطوب و البلوك، مكان لا يمنحك إحساساً بأنك في بيئة يفترض أن تساعد المريض على التعافي.
وبعد رحلة السلالم الضيقة، كان الوصول إلى العنبر أشبه بالنزول إلى مكان لا يليق بمريض خرج لتوه من عملية جراحية.

أنا أعرف ظروف البلد. وأعرف أن المستشفى يعمل في زمن الحرب. وأعرف أن العاملين في المؤسسات الصحية يواجهون ضغوطاً هائلة.

لكن النظافة لا تحتاج إلى إعادة إعمار البلاد، والنقالة لا تحتاج إلى ميزانية دولة وترتيب عنابر ما بعد العمليات لا يحتاج إلى معجزة.
وحتى الحل المؤقت لا يحتاج أكثر من قرار إداري.. ضعوا المرضى الذين خضعوا للعمليات في عنابر قريبة من غرف العمليات، ولو ليوم واحد وهي اصلا مدة الإقامة. و إن لم يتوفر الأسانسير، فليكن هناك مسار آمن. و إن كانت الإمكانات محدودة، فلتكن الأولوية لسلامة المريض. نحن لا نطالب بمستشفى من فئة الخمس نجوم.
نطالب فقط بألا يتحول المريض، بعد أن ينجو من المرض والعملية، إلى رهينة لسوء الترتيب والإهمال.

رسالتي ليست ضد مستشفى أم درمان، ولا ضد أطبائه وممرضيه وعماله الذين نعرف حجم ما يقدمونه في ظروف بالغة القسوة.

رسالتي إلى من يملك القرار راجعوا التفاصيل الصغيرة.. لأنها أحياناً هي التي تقتُل انزلوا إلى العنابر شاهدوا النقالات تفقدوا الأسرة اصعدوا السلالم بأنفسكم وجربوا أن تحملوا مريضاً خرج لتوه من غرفة العمليات من مبنى إلى آخر عندها فقط ستعرفون حجم الكارثة.
يا أهل الصحة.. المريض الذي يدخل المستشفى لا يطلب المستحيل هو فقط يريد أن يخرج أكثر أمناً مما دخل أما أن يدخل لإجراء عملية… ثم يبدأ بعد العملية رحلة جديدة من المجازفات..
فهنا يجب أن نتوقف ونسأل: إلى متى؟
فإذا كان تركيب أسانسير في ظل الظروف الحالية أمراً صعباً أو يحتاج إلى وقت وإمكانات، فلماذا لا يكون إنشاء منحدر مخصص للنقالات والكراسي المتحركة حلاً مؤقتاً وآمناً؟
الحلول ليست دائماً مستحيلة أو مكلفة.. أحياناً تحتاج فقط إلى أن نرى المشكلة كما يراها المريض.

التعليقات مغلقة.