زُرت مستشفى علياء “تو” بل دخلتها محمولاً مريضاً بنصف حواس المعرفه
بعد يومين من المعاناة بمرض الملاريا (الحمى ،الرجفه، الطمام، العرق، والصداع الدائم) وبعد أن لم يزاول المرض مكانه مع الإستعمال المنتظم لدواء الملاريا الأنتميثر والذي قال عن ذلك النوع الدكتور طارق الهادي بأنه (فالصو) وكان مصراً على النوع المستعمل في علياء والذي ذكر أنه من الشركة الأم ومجاز من هيئة الصحة العالمية .
خروج من طوق الأدب
الملاريا القديمة المتجدده والتي سقط عنها حجاب الخجل كبقية البشر ؛ قال عنها المتنبي : ( وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام) الآن وقد خرجت من طوق الأدب فتأتي نهاراً وتتكرر يومياً نوباتها على عكس ماجاءت به الكتب أنها تزور في كل ثلاثة أيام مره – ما نراه اليوم من تحول في نوعية الملاريا يحتاج الى وقفه وأبحاث وإعادة إستراتيجية في مقاومة المرض .
كيف وصل الحال بها أن تكون السبب الأول للوفاة في أفريقيا- وكل نديداتها من الأمراض كالشلل والطاعون، عمى الأنهار ومرض النوم قد أنزوت وأختفت ليس خجلاً بل قهراً بأيدي الأطباء والباحثين.
حمدت الله أن في سودان ما بعد الحرب منارة للعلاج كعلياء تعمل بنظام ودقه وبسمه تعلو شفاه الممرضيين والأطباء وقد أحتفظت بطاقتها ومقدرتها رغم حصار المليشيا الذي إستمر لعام.
حفاوة الإستقبال
غمرني كبار القيادات من الأطباء وكبارهم من الملكيين بحب دافق أعاد كثيراً من قواي كلهم من الذين يحفظ مآثر من التدريس افعالاً كلمات أو طريقه للتدريب – هذا هو الجيل الذي شهد ميلاد الموجات الصوتيه كأول جهاز في شارع الإسبتاليه عيادة الخرطوم التشخيصيه وكنت أدعوهم فرادى وجماعات لمشاهدة كيف يُرى الجنين حياً يتحرك يتنفس ويتبول.
حقائق عن الملاريا
حقائق لابد أن تُذكر عن مسيرة الملاريا وتواجدها في سودان ما بعد الحرب وإن كان لمفكرين ومخططين لتنمية السودان بعد غزو التتر لكان للملاريا الحظ الأكبر .
صُعقت وأنا اراجع التردد في المستشفيات العامله أن أعلاها حالات الملاريا حتى مستشفى علياء كان معظم المترددين هم من مرضاها والدخولات عديده من المرضى الذين إشتدت بهم المضاعافات ، والدة كبير الأطباء كانت طريحة فراش الملاريا بعد أن فشل دواء الأنتميثر وتلاه جرعات الكينين لمدة عشرة أيام ولكثرة هذه التجارب تأكد أن كثير من العقاقير التي تستعمل (ضاربه) كما يقول عنها د. طارق الهادي ورأيّ أيضاً أن العائدين عادوا بمناعه منخفضه ضد الملاريا .
الأدوية المغشوشه (كاونترفيت) غزت السودان كناتج طبيعي للحرب وعدم وجود الرقابه الصيدلانيه اللازمه وإختفاء المعمل المركزي لضبط جودة الأدويه وهذا الأمر لابد أن يكون موضوع إهتمام الدوله وفي الخطط المستقبليه لبناء السودان وكان السودان سباقاً مجوداً هذه الرقابة – تخزين الأدويه الآن لايطابق أدنى معايير الجوده.
الادويه تصل البلاد عبر التهريب بطرق مختلفه عربات، جمال وحمير ثم تخزن في العراء أو في مخازن لا تصلح حتى لتخزين الأسمنت – أقول هذا لنتبين الطريق الذي أمامنا- هذا حال البلاد الخارجه من الحروب مع حاجة المواطن للدواء وجهل البائع وطمع السماسرة.
تحول في نوعية الملاريا
الملاريا التي أصابتني من النوع الذي يحمل شراسه ومضاعفات رغم الرعايه العاليه لطارق الهادي وإبراهيم المبارك المشهود لهما بالعلم والخبره أنزلقت بي الملاريا الى مضاعفات الرئه ما سماه الأخ البرفسور أحمد مضوي موسى عند زيارته بأنه pneumonic malaria وبالفعل إمتلأت الرئة بالماء interstitial oedema مما أطرنا لأستعمال المدرر للبول تحت إشراف وعناية أخصائي القلب عبد الكريم.
ملاريا مابعد الحرب
هل هذا المسار هو ما ستسير عليه ملاريا مابعد الحرب ؟!
من المؤكد أن المناعه ضد الملاريا تلعب دوراً كبيراً في الإصابة بها أوحدوث مضاعفاتها – ومن المعلوم أن الذين يعيشون حياتهم في منطقة ملاريا يكتسبون مناعه تزيد يومياً ضد ميكروب الملاريا وقلّ أن تصيبهم الملاريا الحاده أو المضاعفات ولكن بالغياب عن مناطق الملاريا والمعيشه في مناطق كمصر والخليج وإنجلترا خاليه منها تضعف المناعه ويصاب بأنواعها المختلفه وهذه ظاهره طبيعيه ليس حكراً على الملاريا حتى أمراض الطفيليات الأخرى كالأميبا وعمى الأنهار وفلاريا القدم تسيرعلى نفس النمط – الخواجات مثلاً الذين يزورون مناطق البلهارسيا ويصابوا بها تظهرعليهم حالة البلهارسيا الحاده ( كتياما) وهذه لا تظهر أبداً في المستوطنين .
ماهي الإرشادات والوقاية التي يجب أن يتبعها العائدون الى ارض الوطن بعد مغيب لأكثر من ثلاثة أعوام لابد أن يكون هنالك مراكز إرشاد لهؤلاء ، هذا جزء من إستراتيجية سأضع بعض مؤشراتها.
هبوط المناعه صفه ملازمه لصدمات الحياه الجسميه والنفسيه . طبيعياً نجد أن الحمل يهبط بالمناعه وكذلك عند الأطفال .
للصورتان حكاية
الأرهاق الجسماني والنفسي يزيد معدل الكورتزول مما يضعف المناعه ويسمح بدخول الملاريا ولعل هذا ما صادفني بعد عودتي للسودان الإرهاق وظهور تلك الصوره بالمكنسه في شارع المشتل – خاطبني أخوه أصدقاء كالصديق د.جلال الدقير الصوفي (بأن أتحصن) والأخ د. عبدالرحمن الشيخ يتعوذ من العين – وأن كانت الملاريا ناتج تلك الصوره ففي حياتي صورتان الأولى أدخلتني السجن والأخرى تكرمت علىّ بالملاريا.
البعوض ناقل لأكثر من عشرة أمراض منها حمى الضنك والملاريا والحمى الصفراء وحمى الكنكشه(كسلا) وحتى حدوث تغيير ديسمبر لم نجد مع دقيق الأبحاث أثر لحمى الضنك أو الكنكشه في الخرطوم مما يعني تغيير جوهري في نوع البعوض وتواجد الطفيلي .
الوقاية تدر المال
الأمر ذا أهميه كبرى لأن الملاريا يمكن أن تسرق منا أكثر من نصف ما هو مرصود للصحه – ولا مجال لنا إلا القضاء على البعوض وجنيه واحد نصرفه على الوقايه يدر علينا 1000 ج كان يمكن أن يصرف على علاج المرضى مع تعطيل الطاقات عن العمل وتكسر البيوت حول المريض.
إنجاز عالمي
القضاء على البعوض في ولاية الخرطوم ليس جديداً ولا مستحيلاً فقد سجّلت الخرطوم (مدينه خالية من الملاريا) في عهد الوالي عبد الحليم المتعافي ومدير الإدارة ب/ عمر زايد بركه والفاتح مالك ونالت الولاية جائزة الإنجاز من هيئة الصحه العالمية فلنكرر التجربة.
في خطة الإعمار لا بد أن تكون هنالك ميزانيات مخصصه لدراسة التغيير المناخي وأثره في أكثار البعوض ، قابليه البعوض لمقاومة المبيدات وتحري الحالات المرضيه و وصف مرضى دقيق مع تجارب عديده في أختبار الأدويه المتداوله وصلاحيتها لعلاج المرضى وبالضروره ضبط جودة الأدويه ومراقبة الإٍستيراد والتخزين.
وزارة الصحه لمكافحة الملاريا والأمراض المنقوله بالبعوض
أدعوا أن تكون هنالك وزارة صحة خاصة بالملاريا والأمراض المنقوله عبر البعوض وزارة ذات إستقلالية تابعة لولاية الخرطوم ذات ميزانيه خاصه وإدارة للبحوث والمكافحه وعلاج المرضى – كيف للمريض أن يدفع 40.000 جنيه ثمن حقنه واحده بعقار الأنتميثر ويحتاج لعدد منها.
(وزارة الصحه لمكافحة الملاريا والأمراض المنقوله بالبعوض ) لابد أن نعترف أن منذ تغيير ديسمبر لم يحدث أي تحرك للقضاء على البعوض وما تم بعد التغيير وبإلحاح المواطنين كان رشاً للماء بالطائرات ماء لا يحمل إلا قليل من المبيد – فالأمر يحتاج الى وقفه حقيقه وهذا وقتها.
كلمة شكر واجبة
الشكر لكل أطباء عليا ” تو” وسعدت بأن علياء ” ون ” و ” ثري” قادمات في خدمة المواطن – لأسرة علياء وللقامات التي زارتني الأخ بشير أرباب وأسرته والأصدقاء من الأطباء وأسرة جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا .
حقيقاً وصدقاً أن البنون زينة الحياه الدنيا جاءوا من كل صوب من اصقاع العالم بريطانيا وأفريقيا صبوا حناناً ورعايه .
التعليقات مغلقة.