مرتضى ميرغني… ماتراه القلوب… حين تخطئ العيون

نقطة إرتكاز

ما تراه القلوب .. حين تخطئ العيون

بقلم : مرتضى ميرغني

في زمن امتلأت فيه العيون بالمظاهر وأُطفئت فيه أنوار البصائر ، صارت أحكامنا على الناس كلمح البرق سريعة ، حادّة ، وظالمة أحيانا . نرى ما فوق الوجوه ولا نرى ما تحتها ، نحكم من صورة ونقارن من مشهد وننسى أنّ في داخل كل إنسان عالَما لا تبلغه الأبصار .
لكن القلوب، إن أُنصت إليها ترى ما تعجز عنه العيون ترى العدل الخفي ، وترى الرحمة المضمَرة ، وترى أن كل إنسان يعيش في توازن دقيق بين النعمة والابتلاء .

الظاهر قد يُضل ، والصورة قد تخدع والابتسامة قد تخفي وراءها شقاء طويلا . كثيرون نراهم ناجحين ، متألقين ، يبدون في أوج سعادتهم ، بينما هم في داخلهم يقاومون قلقا لا يهدأ . وآخرون نحسبهم منكسرين أو بائسين ، لكن في قلوبهم طمأنينة لو وُزعت على الناس لكفتهم .

إن الحياة أكثر عدلا مما نظن ، لكنها تُمارس عدلها في صمت .
من مُنح مالا حُرم أمانا ، ومن مُنح شهرة فقد خصوصيته، ومن أُعطي جمالا حمل عبء القلق من زواله ، ومن عاش في البساطة وجد في قلبه راحة نادرة.

الميزان الإلهي يعمل في الخفاء ، يُسوّي الكفّتين حيث لا نرى ، ويمنح كل قلب ما يعادل ما فاته في ظاهر الحياة .

نقع في فخ المقارنة كل يوم ، نقيس أنفسنا بغيرنا ونقيس سعادتنا بما نراه على الشاشات . نغفل أن تلك الصور التي تلمع أمامنا لا تُظهر إلا جزءا من الحقيقة ، الجزء الذي اختار صاحبه أن يُريه للعالم ..

لو دخلنا إلى ما وراء اللقطات ، لرأينا أوجاعا مؤجلة ، وخيبات صامتة، وقلوبا تتعب في صمت نبيل .
ولو عرف كل إنسان ما يخفيه الآخر ، لاختفت الغيرة ، وذابت الأحكام وامتلأت القلوب شفقة بدل الحسد.

المقارنة تسرق الرضا ، والحكم السريع يسرق الرحمة ، ولا يُعيد إلينا توازننا إلا أن نتذكّر أن لكل إنسان معركته الخاصة التي لا يراها أحد.

الرحمة ليست عاطفة فحسب ، بل بصيرة عميقة ..
هي أن ترى الخطأ ولا تتعالى عليه ، وأن تُدرك خلف الوجع ضعفا لا يُلام ، وأن تُمسك عن الإدانة لأنك تعرف أن لك يوما كنت فيه مثله أو أسوأ ..

الرحمة هي أن تفهم الإنسان قبل أن تحكم عليه ..
أن ترى في قسوته خوفا وفي صمته وجعا ، وفي غروره هشاشة يستر بها نقصه .

الذين يرحمون لا يفعلون ذلك بدافع الشفقة ، بل لأنهم وصلوا إلى مرحلة من النضج تجعلهم يُدركون أن كلنا بشر، وأننا نتشابه أكثر مما نختلف ..

لقد صار زمننا سريعا، صاخبا، مليئا بالأقنعة الرقمية .
نعيش في عالم نعرض فيه إنجازاتنا كأنها بطولات ، ونخفي جراحنا كأنها عار .
صار الحكم على الناس هواية، والتدخل في شؤونهم رياضة يومية ..

لكن هذا الضجيج يُطفئ شيئا من جوهرنا الإنساني ..
فلا راحة في عالم تحكمه المقارنة ، ولا صدق في حياة تُدار بالمظاهر .
النجاة اليوم لا تكون بالانسحاب من العالم ، بل بالنظر إليه بعين جديدة عين لا تبحث عن النقص ، بل عن العذر، ولا تُدقّق في الوجوه ، بل تُنصت للقلوب ..

ما تراه القلوب لا يُكذّبه شيء ..
هي تعرف الحقيقة دون أن تسأل ، وتزن الناس بما لا يُقاس ..
حين ننظر بالقلب ، ندرك أن السعادة ليست امتلاكا بل اتزانا ، وأن العدالة ليست مساواة في العطاء بل توازنا في النقص والوفرة ..

حين نفهم هذا لن نحسد أحدا ولن نزهو على أحد ، بل سنسير في الحياة بخفة ورضا نُدرك أن لكل إنسان طريقا يليق به ونصيبا كُتب له بعدل لا يُرى ..

العيون ترى التفاصيل أما القلوب فترى الحقيقة ..
وما بينهما يعيش الإنسان في صراع دائم بين المظهر والجوهر ..
لكن لحظة الفهم الحقيقي تأتي حين نكف عن الحكم ونبدأ في الفهم حين نرى الآخرين كما هم ، لا كما نريدهم أن يكونوا ..

في النهاية ، ما يُعيد للعالم توازنه ليس كثرة البصر ، بل عمق البصيرة ..
فما تخطئه العيون… تُدركه القلوب دائما ..

التعليقات مغلقة.