نقطة إرتكاز
زينة الحرب … واستعراض الخراب
كتب : مرتضى ميرغني
في زمن تتقاذف فيه الحرب وطنا بأكمله ويعيش ملايين السودانيين تحت وطأة النزوح وضيق المعيشة وانعدام الأمن ، تطالعنا على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد غريبة لا تمت إلى الواقع بصلة .
صور وفعاليات واحتفالات فاخرة تنفق فيها مبالغ طائلة على المظاهر والترف ، وكأننا نعيش في بلد الرفاه لا في وطن يعاني من حرب أنهكت الأخضر واليابس .
من بين تلك المشاهد التي أثارت جدلًا واسعًا مؤخرا فعالية تم فيها عرض ثوب سوداني بقيمة خرافية بلغت 500 ألف دولار .
حدث يبدو وكأنه خارج الزمان والمكان ، في وقت لا يجد فيه الكثيرون ما يسد رمقهم ، ولا تملك آلاف الأسر حتى ثمن الدواء أو إيجار المسكن ..
لقد شكّل هذا المشهد صدمة وجدانية للمجتمع ، ليس فقط بسبب الرقم الفلكي الذي طُرح بل لأنه كشف عن عمق الهوة بين ما يعيشه الناس من واقع قاس ، وبين الصورة التي يحاول البعض تصديرها عبر فضاءات السوشيال ميديا من ترف زائف واستعراض فجّ ..
فجوة القيم في زمن الأزمات
لقد كانت الهوية السودانية عبر التاريخ تقوم على منظومة من القيم الأصيلة الحياء ، الوقار ، الكرم ، والإيثار .
وكانت المرأة السودانية بزيها وثوبها رمزا للجمال المحتشم والاحترام الاجتماعي ، لا سلعة تُقدّر بالدولار ولا أداة للفت الأنظار ..
لكن ما يحدث اليوم يعكس تآكلا تدريجيا في تلك المنظومة ، بفعل الانفتاح غير المنضبط على العالم الرقمي ، حيث أصبح التفاعل قائمًا على عدد المشاهدات والترند ، لا على القيم أو المضمون .
ولم تقف الظواهر السلبية عند حدود المبالغة في المظاهر فقط ، بل تجاوزت ذلك إلى انتشار الألفاظ النابية واللغة السوقية على منصات مثل تيك توك ، حيث يتنافس بعض المحسوبين على السودان في إطلاق الشتائم العلنية ، والتعرض بالإساءة للآخرين بأسلوب يسيء إلى صورة البلاد وثقافتها أمام العالم.
وقد باتت هذه اللغة الشاذة تُقدَّم على أنها جرأة أو طرافة ، في حين أنها تمثل في جوهرها انحدارا أخلاقيا وقيميا خطيرا .
أما في جانب آخر ، فقد أصبحت الخلاعة في الملبس والمظهر وسيلة متكررة للظهور وجذب الانتباه ، في تناقض صارخ مع ما عُرفت به المرأة السودانية من عفة واحتشام ووقار .
إن هذا التغير لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياق العام من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية ، لكنه في الوقت نفسه لا يُبرَّر بأي حال من الأحوال ، لأن الحفاظ على القيم لا يسقط بسقوط الظروف ، بل يظهر في الشدائد أكثر من الرخاء ..
لقد أصبحنا جميعا اليوم داخل السودان وخارجه جزءا مما يمكن تسميته بـالوطن الإسفيري ،
ذلك الفضاء الافتراضي الذي تتداخل فيه الصور والأصوات والآراء دون حواجز .
في هذا العالم لم تعد الأفعال الفردية مجرد شأن شخصي ، بل باتت تُحسب على المجتمع كله ..
ولذلك ، فإن ظهور أي سلوك غير لائق أو محتوى مخل ، يُسيء بالضرورة إلى صورة السودانيين جميعا، وإلى تاريخ طويل من القيم والاحترام الذي ميّزهم بين شعوب المنطقة ..
من هنا تبرز أهمية تفعيل ما يمكن تسميته بمحكمة المجتمع وهي ليست محكمة قضائية ، بل محكمة الضمير الجمعي التي يُصدر فيها الناس أحكامهم عبر الموقف والمقاطعة الواعية .
فحين يقاطع المجتمع مثل هذه الفعاليات أو المحتويات السالبة ، وحين يرفض دعمها أو تداولها فإنه يمارس شكلا راقيا من أشكال المقاومة الأخلاقية .
أما الصمت ، فيبقى شكلا من أشكال القبول غير المعلن الذي يفتح الباب أمام مزيد من الانحدار القيمي ..
في مثل هذه الظروف ، يصبح الحفاظ على قيم المجتمع السوداني مسؤولية وطنية بامتياز ..
ليس من المقبول أن تُرفع صور الأزياء والمناسبات الباذخة بينما تُطمر تحت الركام قصص المعاناة الحقيقية ..
وليس من الأخلاقي أن يتباهى البعض بما يملكون ، في وقت يفتقر فيه الملايين لأبسط مقومات الحياة الكريمة ..
لقد علّمنا التاريخ أن الأزمات تصنع المجتمعات الواعية ، وأن المحن تُعيد الناس إلى جوهرهم الإنساني ..
لكن ما نراه اليوم يشير إلى العكس ، إلى حالة من الانفصال بين الواقع والمظاهر ، بين الوطن وأبنائه ، وبين القيم وصورتها في الفضاء العام ..
السودان لا يحتاج إلى إيفينتات تُقدّر فيها الأقمشة بنصف مليون دولار ، بل يحتاج إلى عقول وقلوب تقدّر قيمة الإنسان .
يحتاج إلى من يرفع صوته بالوعي لا بالضجيج وبالموقف لا بالمظاهر .
فالوطن الذي ينزف لا يليق به الترف المظهري ، والمجتمع الذي يصمد لا يليق به الاستعراض .
وإنّ أبسط أشكال الوفاء للسودان في هذه المرحلة أن نحافظ على صورته ، وأن نصون أخلاقه من التشويه ، وأن نُعيد الاعتبار لقيمنا السودانية الأصيلة التي هي أعز ما نملك ..
فلنفعّل جميعا محكمة المجتمع والضمير ، عبر المقاطعة الواعية والرفض الهادئ لكل ما يُسيء إلى السودان وأهله ،
فالوطن لا يُبنى بالترف ، بل يُبنى بالوعي ، والكرامة ، والمسؤولية المشتركة ..
التعليقات مغلقة.