السفير محجوب محمد عثمان :
يكتب
بدأ اهتمام الدول الغربية بالسودان الحديث مبكرا ، ففى مطلع القرن العشرين ( 1910 ) جاء الرئيس الامريكى الأسبق (روزفلت) السودان فى زيارة رسميه لمدينة الخرطوم . ثم زيارة الرئيس الأمريكى (نكسون) فى نهاية عقد الخمسينات ، أعقبها رفض السودان للمعونة الأمريكية بعد الاستقلال حيث بداية وعى السودانيين المبكر لأطماع الولايات المتحدة نحو هذا البلد المترامى الأطراف ، بموارده الضخمة من معادن وثروة حيوانية وزراعية . وجاءت زيارة (جورج بوش) الإبن نائب الرئيس (ريقان) للسودان (1983) وما نتج عنها من عملية (موسى) ونقل اليهود الفلاشا لإسرائيل من إثيوبيا ، عبر مطارات وموانى شرقى السودان . علاقاتنا مع بريطانيا استمرت فى تأرجح منذ الإستقلال وظلت بريطانيا فى العقل الجمعى السودانى هى طيف الاستعمار بمخازيه وجبروته ، أما فرنسا فكانت دائما فى توجس وخوف من تسرب الوعى السودانى لحواضنها فى الجوار الإفريقي الغربى للسودان : تشاد وأفريقيا الوسطى والنيجر ، مما جعل فرنسا عدو متخفى تتحين الفرص للتدخل فى غرب السودان عبر الدمى التى تحركها ، خاصة تشاد وعدم استقرار الحكم فيها لعقود مضت . اما المعسكر الشرقى فقد بدأت علاقاته مع السودان باكرا حين قامت الحكومة الأئتلافية بين (الاتحادى الديمقراطي) و(الامه الإمام الهادى) عام 1968 ، بتنويع مصادر السلاح والاتجاه نحو الاتحاد السوفيتي وتوقيع اتفاقية تسليح الجيش السودانى وتزويده بطائرات الميج 17 و21 وفيما بعد 29 ، والدبابات 55 و 72 . وصواريخ سام ، مع تدريب الطيارين على الطائرات ، قيادة وصيانة المدرعات والمركبات الحربية . وكان للوزيرين ، حسين الهندي(الماليه) ومادبو(الدفاع ) وقيادة الجيش السودانى ، القدح المعلى فى انجاز تلك المهمة التاريخية الفارقة. كما كان السودان من أوائل الدول التى اعترفت بالصين الشعبية عضوا خامسا بمجلس الأمن الدولى وكان البيان الذى قدمه الاستاذ احمد خير وزير خارجية السودان امام الجمعية العمومية للامم المتحدة (ديسمبر ١٩٥٨) وأعلن فيه اعتراف السودان بالصين الشعبية ، ضربة موجعة للولايات المتحدة وحلفائها ، وظلت علاقات السودان تزداد وتزدهر مع الصين
إلى أن تم تتويجها بالتعاون السودانى الصينى المشترك فى منتصف عقد التسعينات ، وأستخراج النفط وقيام ومنشأءته الضخمة ، من أطول خط للأنابيب فى القارة الأفريقية وقيام مصافى ومعامل للبتروكيماويات . زادت الصين تعاونها مع السودان فى مجالات التجارة والاقتصاد ، والبناء ( سد مروى) ، و شمل التعاون مجالات البث المرئى والمسموع والثقافة والعلوم والفنون . كل هذا والدول الغربية تبطن العداء للسودان وأهله فما أن شعروا باستيفاء حرب الجنوب لمطلوباتها واتجاه الحركة الشعبية نحو التفاوض والسلام ، حتى أشعلوا حرب دارفور ٢٠٠٣ . وخلال عقود من الزمان لم تقدم الدول الغربيه أى مشروعات كبرى او برامج لنهضة السودان . بل إن بعض المنظمات الغربية تعتبر السودان بلدا فقيرا بالمعايير المدسوسه ، التى تصفه بالتدنى والفقر وتبشر عبر وسائطها بتقسيمه ، ولكنه غير ذلك ، فلم يكن بالخافى على الدول الصديقة له ، دولية او إقليمية كانت ، تاريخه وقدراته البشرية وموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر ، أكثر الممرات الدولية المائية ازدحاما بالملاحة واهتماما من الدول الكبرى . يملك السودان احتياطيا كبيرا من المعادن النفيسة والمياه النقية ، من انهر تجرى طول العام ، ومياه جوفية ، اراضى زراعية خصبة ، ثروة حيوانية تقدر ، حسب بعض المنظمات الدولية المهتمه ، بحوالى ١٨٥ مليون رأس من البقر والضأن والأبل ، ربما تجعله الرابع عالميا بعد أستراليا ونيوزيلندا والبرازيل، مع وجود مراعى طبيعية ممتدة . هذه الإمكانات المهولة تجعله دولة هامة فى مجاله الحيوي ويصبح مطمعا للدول التى ليس لها مصلحة فى استقراره . عليه فأن العلاقات مع روسيا الاتحادية ظلت تشهد تقدما إيجابيا منذ عقود مضت . تواصلت فيها الزيارات، ووقعت فيها اتفاقيات ، واستبانت فيها المصالح المشتركه ، والفوائد المتبادلة ، وروسيا فى كل خياراتها تدعم دائما الدولة الوطنية بلا اجندة خفية أو تدخل فى الشأن الداخلى ، الا بناء على رغبة سلطة الدولة الشرعية . روسيا مؤهلة لملء الفراغ الاستراتيجي الذى ينشأ من عدم الانحياز وصعوبة التعاون مع الغرب واجندته المدمرة . والدور الروسي لا يقتصر على الجانب العسكري والتزويد بالسلاح بل يتعداه إلى اتفاقيات اقتصادية تضمن الدفع السلعى التبادلى بين البلدين دون الحوجه لاستخدام الدولار وفتح الاعتمادات البنكية التى تشترطها الدول الغربية عبر مصارفها ومؤسساتها المالية المتحكم فيها . كما تضمن روسيا التعاون فى مجال الاتفاقيات التعليمية والتكنلوجية، عالية الكفاءة، مضمونة الجانب . روسيا شريك جاد وقوى فى الحرب ضد الإرهاب ، ولها تعاون استراتيجى امنى مع كثير من الدول الإفريقية والشرق أوسطية. روسيا مصدر للتسليح : طائرات ودفاعات جوية متقدمة . أفكار ودراسات متقدمة فى مجالات الطب وتكنلوجيا المعلومات والتطور التقنى ، بل وعلوم الفضاء والمفاعل النوويه من أجل الاغراض السلمية واستخراج الطاقة ، لا تبخل بكل هذا على حلفائها. شريك اقتصادي مهم وسوق مشتركة واعدة . ان كان اختلاف الرؤى مع الغرب أوصلنا ، بعد ما يقارب السبعين عاما من الإستقلال ، إلى طريق موصد معه ، دعونا من سياسة السلم والثعبان التى تنتهجها امريكا وحلفائها ، فأن تبادل المصالح هو طريقنا السالك نحو الشرق .
القاهرة :3سبتمبر 2024 . .
التعليقات مغلقة.