ومازال في جيبي عبق التمر- قصة إنسان تشكلت منه الإنسانية- القائد الاجتماعي بنهر النيل الحاج أحمد حامد خليفة
بقلم:هشام عباس زكريا
في شارع منزلنا بحي الداخلة شمال بعطبرة قصص وحكايات وشخصيات وأحداث، رغم بساطة الحي في المباني إلا أن قدر الرجال والنساء هناك عظيم، شخصيات نشأنا معها بطبيعة انسان المنطقة المتنوع الزوايا، أناس لاهم أهل ريف، ولا هم أهل حضر، هم خليط من البداوة والتحضر والمدينة والقرية، لكن لهم أفقاً واسعاً، جعل من جلساتهم أمام منازلهم وفي النادي وعند العودة من المسجد منابر شعبية يمارسون فيها التعبير السياسي والتحليل الاقتصادي ويتناولون القضايا التربوية وحتى الرياضية، في هذا الحي كان هناك رجل نادر على طريقته كما يقول الطيب صالح ظل مبعث الود والتسامح والتدين الحقيقي، ظل العم أحمد حامد خليفة نموذجا لانعكاس التدين إلى سلوك وأخلاق رفيعة تمثلت في حسن المعاملة واللطف والود وعدم تأنيب الآخرين ،كان أحرص الناس على تطييب المشاعر قبل الأبدان، كل ذلك في شخصية متزنة وملتزمة ،وبذلك أثبت العم الحاج أحمد حامد خليفة أنه لا تعارض بين اللطف وقوة الشخصية وبين التسامح والسموق، كان رجلاً سهل الولوج إلى قلبه، ساعده على ذلك مقدرته العالية في تقبل الآخرين واستيعابهم. وعندما نكتب عن العم أحمد حامد خليفة إنما نكتب عن شخصيات تركت بصمتها في الحياة ورحلت، ومن واجبنا أن نقدمها للأجيال الحالية في قراءة عكسية لكسب الآباء واجتهادهم وصبرهم لعل ذلك يكون حافزاً للأجيال اللاحقة أن تذهب على ذات الدرب.
تقول السيرة الذاتية للحاج الفاضل/ أحمد حامد خليفة أحمد حسن عبدالله النورابي أنه ولد عام ١٩١٩ بمدينة بربر التي تعتبر من أقدم المدن بالسودان حيث كانت مركزاً اقتصادياً تنشط بها التجارة بين عدد من الدول مثل تركيا و مصر والحجاز وبلاد شنقيط والمغرب وينتمي لقبيلة (العبابدة) بيت (الخلايفة) ، وقد كان لهذا المولد في هذه البيئة متعددة الأعراق الدور الكبير في تشكيل شخصية العم الحاج أحمد حامد الذي كان له القدرة الفائقة في التعامل مع كل الناس بمختلف مشاربهم. درس كل المراحل بمدينة بربر حيث كان يعمل والده في التجارة بين مصر والسودان ،والتحق بعد ذلك بكلية غردون التذكارية حيث أبرز تفوقاً في دراسته إلا أن الأقدار لم تمكنه من المواصلة حيث توفي والده وشقيقه الأصغر وهو في السنة الأولى في الكلية فقرر قطع الدراسة والعمل لمساعدة والدته في تربية شقيقه، وهنا تتجلى قيمة التضحية التي نمت منذ الصبا في قلب العم الحاج أحمد حامد وكبرت معه مع الأيام فكان طول حياته نبع الإيثار والتضحية من أجل الآخرين. وبعد ذلك قرر الولوج إلى مهنة إنسانية يمارس من خلالها هوايته في خدمة الناس حيث التحق بمدرسة المساعدين الطبيين في أم درمان فتخرج منها أول دفعته عام 1945
كانت أولى محطات العمل للعم الحاج أحمد حامد هي مستشفى أم درمان، وأبرز تفوقاً ونبوغاً في مهنته مما ساهم في انتدابه لتأسيس مركز صحي (الخوجلاب) في الخرطوم بحري ساعده على ذلك اتقانه للغة الإنجليزية وسهولة تفاهمه مع المفتشين الانجليز، بعد ذلك تم الحاقه في وظيفة إدارية بمكتب مساعد الحكمدار الطبي، وهي وظيفة مرموقة بمقاييس ذلكم الزمان.
في نهاية الأربعينيات تم نقل العم أحمد حامد خليفة إلى مستشفى عطبرة وهنا بدأت قصته مع عطبرة التي أحبها حباً أرهقه وأرهقها حتى توفي وقُبر فيها، فسكن في حي الداخلة وأنشأ علاقات واسعة مع أهلها ولا زلت أتذكر العلاقة القوية التي تربطه بجدي الحاج محمد أحمد حمزة فقد ربطتهم الجيرة قبل أن ينتقل العم الحاج أحمد حامد إلى داره الجديدة في الداخلة شمال والتي كانت من أوائل الدور التي أنشئت حيث كان مكان الداخلة شمال الحالي عبارة عن أحراش ومكبات لخردة السكة الحديد فكان رائد من سكان حلة (الصنفور). في عطبرة التحق العم الحاج أحمد حامد بالوسط الاجتماعي فعمل لفترة رئيساً لنادي الوادي، وعلى المستوى الوظيفي يعتبر أول من أسس إدارة لتفتيش الشفخانات وتقلد مفتش شفخانات القطاع الشمالي الذي يشمل الاقاليم الشمالية إبان الاحتلال الإنجليزي.
لم تهدأ عصا الترحال في عطبرة ،فولاية نهر النيل كلها كانت وطنه، فانتقل إلى قرية (ود الحبشي) ثم إلى ( الزيداب ) حيث أسس الوحدة العلاجية بمشروع (الزيداب) مع صديقه المرحوم محمد حسين حمور الذي كان وقتها الملاحظ الزراعي بالمشروع، كشأنه في كل مكان كان منزل العم الحاج أحمد حامد في (الزيداب) مفتوحاً لكل ضيف حيث كان مقصد كبار الضيوف ورموز المجتمع والتجار والأصدقاء بحكم أن المشروع كان به حراك اقتصادي كبير بالبلاد منهم الشاذلي عوض الكريم ،علي حسن سالم ،فضل الله الحريري ،عباس نوح ،بخيت فضل السيد ،مهيد النعيم ،الشيخ المجذوب وخالد حسن حسين الذي تربطه به صلة دم والاسرة الواحدة.
إن واحدة من أسباب بروز اسم العم الحاج أحمد حامد في مجال الطب بولاية نهر النيل هو نبوغه وتميزه وعن ذلك توجد في أرشيف الكثير من المعاصرين القصص والحكاوي والمواقف و من هذه القصص ما رواه المرحوم الأستاذ الطيب محمد الطيب عبر برنامجه المشهور صور شعبية حيث ذكر أن هنالك مريضة في (الزيداب) ظلت تعاني من ألم حاد في البطن فتم احضارها للعم الحاج أحمد حامد فكان لابد من التعامل مع حالتها خاصة وأن بنطون (الزيداب) كان لا يعمل بعد السادسة مساء لتحويلها إلى عطبرة، فأخبرهم بأن ابنتهم تعاني من زائده ملتهبة وهي تتألم ألماً شديداً فلا خيار سوى عملية أو تنفجر فوافقوا على إجراء العملية على خلفية ثقتهم فيه التي تكونت من عدة حالات ومواقف ، فقام باستكتابهم إقراراً بذلك وأجرى لها العملية بنجاح وارتاحت المريضة من الألم. ثم كتب تقريراً للحكمدار الانجليزي بعطبرة بالحالة وكيفية تعامله معها ،وتمت مراجعة حالتها ومراجعة الجرح الذي تمت خياطته بدقة متناهيه دون أي آثار جانبية، فتم تحرير تقرير اشادة موقعة من الحكمدار،وتمت ترقيته لمفتش شفخانات.
على المستوى الأسري فقد تزوج الحاج أحمد حامد زوجته الأولي الحاجة نعمة أحمد عبده وأصولها من جنوب مصر حيث استقروا بمنطقة النوبة بعد قيام السد العالي وإغراق مدينة وادي حلفا فلم يختاروا الذهاب لمدينة حلفا الجديدة ، وفضلوا الاستقرار شمال السد بقري التهجير بلدة كرسكو بجنوب مصر وأنجب منها الأستاذ خليفة الإداري المعروف بالسكة الحديد والذي وصل لوظيفة نائب مدير السكة الحديد، والمهندس الدكتور حسن وهو أستاذ معمار بجامعه الخرطوم وجامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا و والأستاذ محمد مغترب بقطر ويعمل بالطيران الأميري والأستاذ عوض يعمل مدير التأمينات الاجتماعية بعطبرة، وتلات بنات زينب وأمال ونوال يقمن بأزواجهن بعطبرة.
تعتبر المتمة بولاية نهر النيل محطة مهمة في مسيرة الحاج أحمد حامد خليفة الطبيب الانسان، حيث ذهب إليها في بداية الستينيات وهناك أنجب ابنه محمد حسين بالمتمة من الزوجة الثانية والذي اسماه تيمناً بصديقه محمد حسين حمور خال ابنه هذا ،و زوجته الثانية فاطمة سعيد حمور وأصول آل حمور بريفي المتمه بلدة الجوير حيث هاجروا إلى شمال السودان واستوطنوا بدنقلا العجوز ، وأصبح حمور حاكماً لدنقلا ولازال قصره معلماً تاريخياَ للسياح بجوار كنيسه دنقلا (مسجد الصحابي عبدالله بن أبي السرح) كما لهم جزيرة اسمها جزيرة حمور ناحية دنقلا.
في المتمة لمع اسم الحاج أحمد حامد فقد دخل المتمة بيتاَ بيتاً يداوى المرضى ويبعث الشفاء في أخلاق عالية لا يعرف حدوداً للزمان ولا المكان، فلفتت هذه الأخلاق أهل المدينة نحوه فأصبح في فترة وجيزة قائداً اجتماعياً لا يمكن تجاوزه في أي قضية تخص المنطقة، ووصل إجماع أهل المتمة عليه لدرجة ترشيحه ضمن انتخابات تطوير الريف في السبعينات وكان من ضمن داعمي الترشيح الشيخ مصطفي الأمين الذي تبرع له بعربة إلا انه اعتذر عن هذا الترشيح لأنه كان يعتبر أن رسالته كانت أكبر من ذلك بأن يظل وسط المرضى بلسماَ وشفاءً، وكان على حق فقد خلد اسمه هناك فكم من أسرة أسمت عليه صغيرها تيمناً بهذه الأخلاق الرفيعة، وكم من شاعر نظم القصيد في حقه حتى أصبحت هذه الأشعار أغنيات خالدة عند فناني المنطقة تمجد الحاج أحمد حامد وأخلاقه وسلوكه وكرمه.وكرمته المتمة كما لم تكرم أحدا من قبل احتفال كبير تداعى له اهل المتمة من كل الأرجاء وكتبوا في دفتر العم الحاج احمد حامد كم انت عظيم
إن مسيرة الحاج أحمد حامد يمكن استلهام العديد من القيم والعبر والعظات منها ،أولها التضحية من أجل الآخرين وتحمل المسؤولية الباكرة وبر الوالدة، والطموح والتطلع والتأهيل والنبوغ المهني حيث كان مواكباً في مهنة الطب، ثم بعد ذلك انفتاحه على الآخرين وانصهاره مع المجتمعات التي عمل فيها، وقبل ذلك انبعاث العمل من نية العبادة، فقد كان كل عمله لله ،لم يسع لمال أو سلطة فعاش بسيطاً بين الناس ومات غنياً بالإيمان واليقين، وكرس كل حياته للمجتمع ، وقد أكرمه الله في الدنيا قبل الآخرة بأبناء وأحفاد يحملون ذات الجينات فبرزوا أطباء وأساتذة جامعات ومهندسين وإداريين ملء البصر يبشرون بذات الأخلاق الرفيعة وذات القيم.
كان من حسن حظي أن كنت معاصراً لهذا الرجل العظيم وكان كثير الود والأنس معي ولا أذكر أنه جاء إلى المتمة إلا وزارنا في المنزل، وأذكر عند وفاة والدي جاءنا ونعى نفسه وقال المأتم القادم في هذا الحي هو مأتمي وقد كان، رحل في يوم عظيم هو يوم مولد المصطفى صل الله عليه وسلم دونما شكوى أو مرض، في ذات يوم الرحيل وجدته عند الباب فطلب منى الوقوف وذهب سريعاً داخل الدار وملأ كلتا يديه تمراً واعطاني له، ثم ودعني، لم يتحدث معي كثيراً ،كان اللقاء الآخير،وكنت في مشوار بعيد عن المنزل في حي الداخلة وحضرت وجثمانه يخرج من المنزل إلى مسجد التقوى في ليلة المولد عام 2006،شاهدت جموعاً من المشيعين لم أشاهدها من قبل ،تحسست جيبي ووجدت أن التمر مازال فيه جزء ،وقفنا مصلين عليه وفي الجيب بقايا عطاء من رجل لا يعرف غير حب الله والرسول والناس
رحمك الله العم العزيز الحاج الفاضل أحمد حامد خليفة الرمز الاجتماعي الباقي في ذاكرة الناس بأعماله وفضائله وإن رحلت سيبقى في جيوبنا عبق التمر الذي توزعه عند كل ختمة لكتاب الله.
التعليقات مغلقة.