أعضاء النيابة.. بأيِّ ذنبٍ يُحاسبون؟!- معركة الخصم والحكم.. وصمت السلطات العرض ما زال مُستمراً!!
الخرطوم: أول النهار
مجالس تحقيق ومحاسبة، شكّلها النائب العام تاج السر الحبر، استمرت قرابة الأشهر الثلاثة في مواجهة مجموعة من نادي أعضاء النيابة العامة، استند الحبر في تشكيل مجالس المحاسبة على لائحة محاسبة أعضاء النيابة العامة لسنة 2018م، والتي تعج وتضج بالمخالفات القانونية، ورغم ذلك تجاهل الحبر ومن معه ذلك تماماً، ومن هنا تبرز عدة أسئلة مَن يحاسب مَن..؟! وما هي الجريرة التي ارتكبها وكلاء النيابة حتى تتم محاسبتهم، وكيف تتم المحاسبة في ظل المخالفات التي تحتويها اللائحة..؟
صِراعٌ مُستمرٌ
تدور داخل النيابة العامة، معارك إدارية مع مجموعة من وكلاء نادي أعضاء النيابة أوصلت طرفي الصراع (النائب العام ونادي النيابة) إلى تكوين مجالس محاسبة وتحقيق، في أعقاب اعتراض المجموعة على إدارة النيابة في بعض الأمور والملاحظات على تسيير المؤسسة وتطبيق صحيح القانون والاعتراض على ترشيح واختيار مساعد أول النائب العام من خارج المؤسسة، بجانب وقوفه سداً منيعاً على مشروع تعديل القانون الذي يعطي النائب العام اختصاصات المجلس الأعلى للنيابة، وهذا المجلس هو المحرك الأساسي لإدارة النيابة من تعيينات وتوصيات تُرفع للسيادي من عزل وترقيات وخلافها لأعضاء النيابة العامة، هذه الملاحظات كانت بداية لصراع الأطراف الذي ما زال مستمراً حتى اللحظة.
سياسة الجزرة والعصا
ظَلّ النائب العام يتخذ إجراءات عقابية في مواجهة أعضاء النادي، حينما طرقت المجموعة باب الإعلام، وصعّدت من موقفها الرافض لكل ما كشفوا عنه من اعتراضاتٍ، ومضوا أكثر من ذلك، حينما أعلنوا عن مؤتمر صحفي عبر كل وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، فضج حال النيابة بالخلافات التي برزت للعلن بصورة كبيرة بعد أن كانت داخل فناء النيابة.
في المقابل، زاد الحبر من جرعة هذه الجزاءات، فتارةً يستخدم سياسة الجزرة حينما يصمت أعضاء النادي لبرهة، وتارةً يستخدم سياسة العصا، فكوّن مجالس تحقيق ومحاسبة، وأوصت هذه اللجان بإيقاف رواتب أعضاء النادي لأكثر من ثلاثة اشهر، في وقت تشهد فيه البلاد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار والغلاء الفاحش على كافة المستويات، وتسليم السيارات وجردهم من كل الاختصاصات.
أعضاء النادي
مارس النائب العام، أساليب التخويف والترهيب مع المجموعة التي استبشرت خيراً بالثورة، ورفضت الطريقة التي اتّبعت في فض الاحتجاجات والاعتصامات السلمية عبر المذكرة الشهيرة في 27 يناير 2019، لمخالفة السلطات قانون الإجراءات الجنائية في قمع الثوار، ويبدو أن من يقف على أمر تطبيق القانون تجاهل تماماً موقف وكلاء النيابة الذي سطّره التاريخ، وهي ذات المجموعة المقربة للحبر حينما قدم إلى النيابة العامة عقب تعيينه، وهم من أوكل لهم مهام لجان التحقيق في كافة ملفات البلاغات والتي أبلوا فيها بلاءً حسناً وقطعوا فيها أشواطاً بعيدة بحسب مباشرتهم للقانون، وحينما رفضوا الانصياع لأوامر النائب العام عمد على إبعادهم ولفظهم خارج النيابة، وقرّب آخرين عُرفوا بموالاتهم للنظام السابق.
عن اللائحة
عملاً بالسلطات المخولة له بموجب أحكام المادة (68) من قانون النيابة العامة لسنة 2017، أصدر النائب العام الأسبق عمر احمد محمد عبد السلام، لائحة محاسبة اعضاء النيابة العامة لسنة 2018م، وفي محاولة لإسكات صوت مجموعة أعضاء النيابة، اتّجه النائب العام لقرارات المحاسبة بتكوين مجالس محاسبية، إذ أن تطبيق النائب العام للائحة المحاسبة فيه كثيرٌ من المخالفات القانونية.
وبحسب قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م، فإنّه ينص على أن يتم نشر اللائحة في الجريدة الرسمية بوزارة العدل وإيداع نسخة منها بالمجلس الوطني، وهو ما لم يحدث في هذه اللائحة ولا تعديلها، الأمر الذي يجعلها غير قانونية (باطلة)، ويتعيّن إلغاؤها بواسطة المحكمة العليا.
خصمٌ وحكمٌ
أصبح النائب العام تاج السر الحبر الخصم والحكم في آنٍ واحدٍ، ويعد ذلك تجاهلاً صارخاً لمبادئ العدالة، من خلال تشكيله مجلس المحاسبة لأعضاء النيابة، وفيه استغلال واضح لغياب مساعد أول النائب العام، وقام بتشكيل مجالس للائحة اتهامات شخصية له، غير أن اللائحة نصت على أن يكون تشكيل مجالس المحاسبة التي تنظر المخالفات، مجلس محاسبة عادي، يُشكِّله مساعد أول النائب العام من رئيس وعضوين، على أن لا تقل درجة العضوين وأقدميتهما عن درجة وتقدمية عضو النيابة العامة المراد محاسبته، وأن تكون درجة الرئيس أعلى من درجته، كما نصت اللائحة أن مجلس المحاسبة لا بد من أن يسبقه قيام تحقيق وهذا ما لم يحدث، والأدهى أن المحققين الذين عيّنهما الحبر هما عضوان في نادي النيابة وكانا جزءاً لا يتجزأ من تلك الوقائع مسار التحقيق والمُحاسبة.
قرارٌ ظالمٌ
القرار الظالم بإيقاف المحاسبين عن العمل، وإيقاف رواتبهم ومخصصاتهم وسحب العربات والملفات منهم، يُفترض أن يصدر من مجلس المحاسبة، إلا أن الحبر من أصدر القرار، وعلى الرغم من أن اللائحة الباطلة وغير القانونية تنص في المادة (17)، على أن لا تتجاوز مدة إيقاف الراتب عن فترة 60 يوماً، كما أن المادة (19) التي تنص على حق اعتراض العضو المحاسب على رئيس المجلس أو أحد أعضائه، وعندما قام محاسبون بالاعتراض على رئيس المجلس بأسباب أقلها أنها موضوعية وتمس عدالة رئيس المجلس، كونها تكن العداء للمحاسبين، وإنها كانت جزءاً من المصالحات لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلا أن النائب العام رفض طلب الاعتراض، ووجّه باستمرار الإجراءات، بجانب وجود أربعة من أعضاء نادي النيابة المحاسبين، تُجرى محاسبتهم في ذات الوقائع أمام مجلسين مختلفين.
رؤى مُختلفة
قرارات المحاسبة وفقاً للائحة التي أصدرها النائب العام، وصفها وكلاء نيابة بأنها تصفية حسابات، وإن اللائحة لم يتم اعتمادها في المجلس الوطني، ولم تنشر في الجريدة الرسمية بوزارة العدل.
وبحسب رؤية قانونيين، فإنّ الصراع أخذ أبعاداً كبيرة، في وقت كان ينبغي أن يحسم وتعود المياه الى مجاريها، واتفق كثيرون من القانونيين ان النائب العام هو رجل المرحلة بحسب إشادة مجلس السيادة به، رغم التجاوزات التي ذكرها أعضاء نادي النيابة العام ممثلة في إطلاق سراح أوكتاي، وحفظ بلاغ المتهم طارق سر الختم وغيرها من التجاوزات في كثير من الملفات.في المقابل، يرى آخرون أن وكلاء النيابة رغم حرصهم الشديد على المؤسسة المستقلة، ومجاهرتهم بأعلى الأصوات في الحفاظ عليها ومحاربة الفساد وتطبيق صحيح القانون وبسط سيادته، إلا أنهم حديثو عهد بتجربة العمل النقابي، وتنقصهم الحنكة والدراية الكاملة، صحيح، فهم خبروا الدرب القانوني وهم في أعتاب درجات العمل النيابي، في الوقت الذي صمت فيه من يكبرهم سناً وعلماً ومعرفةً ودرايةً عن ما فعله هؤلاء الشباب.في المقابل، كثرت المبادرات من مجموعات كثيرة لرأب الصدع بين أطراف الصراع ولم تجد نفعاً، فكانت النتيجة ان يستمر الخصم والحكم في اتخاذ قراراته، خشية أن يقولوا كلمة حق دون أن يكلف الحبر نفسه عناء الرد على ما جاءت به المذكرة الشهيرة التي قدمت الى مجلس السيادة من اتهامات، فإن كان رده إقراراً، فينبغي على الجهات المختصة التحقيق معه، وإن كان رده إنكاراً أو نفياً، فعليه اللجوء إلى جهة محايدة للتحقيق على ما أثاروها، غير أن الحبر التزم الصمت حيالها وقام بتكوين لجان للتحقيق ومن ثم تكوين مجلسي محاسبة، ليمارس بذلك تكريساً وديكتاتورية جديدة ليصبح الخصم والحكم في آنٍ واحدٍ، في ظل الثورة التي أتت به ورفعت شعار الحرية والسلام والعدالة.
قرارات وطعون
دفع أعضاء النيابة المحاسبون بطعون للمحكمة القومية العليا، وتقدموا بعريضة طعن في لائحة محاسبة أعضاء النيابة العامة لسنة 2018 تعديل 2019 وفقاً لأحكام المادة (16) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1983، واستندوا على أن اللائحة مخالفة لأحكام المادة (9) من قانون تفسير القوانين، بجانب أن مسودة اللائحة مخالفة لأحكام المادة (13) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة التي تشترط عدم مخالفة اللائحة للقانون، فضلاً عن عدم عرض اللوائح في المجلس الوطني.
والتمس مقدمون من المحكمة تقرير عدم قانونية اللائحة وإلغاء كل الإجراءات والآثار المترتبة على اللائحة. وشملت القرارات، تعليق قرار النائب العام برفض طلب الاعتراض على رئيس المجلس، قرار النائب العام بتشكيل مجلس المحاسبة، لائحة محاسبة أعضاء النيابة لسنة 2018, قرار تعديل في أعضاء مجلس المحاسبة.
رفض طعون
قضت محكمة الطعون الإدارية بشطب ثلاثة طعون مقدمة من أعضاء في نادي النيابة العامة ضد قرارات إيقافهم عن العمل وإحالتهم إلى مجلس محاسبة، وقرر مجلس المحاسبة إيقاف أعضاء في نادي النيابة العامة عن العمل ووقف صرف رواتبهم.
وبشأن الطعن في لائحة النيابة العامة، قالت المحكمة إن “اللوائح التي أعطى القانون إصدارها تعتبر قانوناً، ولا يُطعن فيها إلا أمام المحكمة الدستورية”. وقررت المحكمة شطب الطعن الخاص بإيقاف رواتب ومخصصات المحالين إلى التحقيق. كما ينتظر ان تفصل المحكمة في ثلاثة طعون تم الدفع بها إلى المحكمة،
بالرغم مما لحق بأعضاء النيابة المحاسبين من قرارات مُجحفة وظالمة، إلا أن عزيمتهم وإصرارهم كان أقوى من أن يُخيفهم ويرهبهم إيقاف رواتبهم وسحب العربات منهم، فزادهم ذلك قوةً وصلابةً في موقفهم الذي صمتت حياله كل السلطات ولم تلق له بالاً.
التعليقات مغلقة.