صلاح الدين العمرني …رجل أرهقه الإبداع- بقلم: هشام عباس زكريا

المبدعون عند الملتقى يمزجون عنفوان نهر عطبرة بهدوء موجات النيل، فيأتي ابداعهم خليط بين إحساس النهار والليل، عند الملتقى وفي العام 1950 والبلاد ترنو نحو الاستقلال ولد المعلم والشاعر والموثق الأستاذ صلاح الدين العمرني ،وتنسم من معشوقته عطبرة أنسام الحب والحنين، وظل كأهلها كما قال لي (يسافرون بقطار المخصوص يوم الخميس إلى الخرطوم ويذهب الأصدقاء في وداعهم رغم أن العودة تكون صباح السبت)،هكذا هم أهل المدينة تسكن في دواخلهم قبل أن يسكنوها، درس أستاذنا العمرني في عطبرة الغربية الأولية التي تأسست عام 1910 وتعتبر المدرسة الأولى في عطبرة، تم انتقل إلى عطبرة الأميرية الوسطي، ثم عطبرة الثانوية القديمة، وعمل بعد ذلك معلماً بمرحلة الأساس وتوج مشواره التربوي أن كان مديراً إدارة محو الأمية وتعليم الكبار ولاية نهر النيل.
إن شخصية الأستاذ صلاح الدين العمرني يمكن النظر إليها من عدة أبواب فهو شاعر وكاتب وإعلامي ومعلم وموثق وقد صقل هذه المواهب المتعددة الهجرة الباكرة حيث هاجر في الفترة من (1982-إلى 1985) إلى الكويت، وعندما يتحدث العمرني عن الكويت كأنما يتحدث عن معشوقة طالما حشد لها المشاعر الجياشة والحب العميق، وقد جسد الحب بين البلدين، وفي الكويت كانت قصائد خالدة متدثرة بالاغتراب والبعد عن الوطن في وقت لا فيه ميديا ولا واتساب ولا وسائل تواصل مثل الآن، وعبرت عن فترة الشباب قبل الزواج مثل أغنية(على شاط الخليج برسم ملامح صورتك السمحة )،وهذه كتبت في أول أيام أعياد الأضحى على شاطئ (الزور) في العام 1984 وهو شاطئ يقع في منطقة (الزور) جنوب الكويت يتميز بالنقاوة وصفاء البحر.
يعتبر يوم 6/9/1986 يوماً خالداً في تاريخ الأستاذ صلاح العمرني، فقد صادف هذا اليوم زواج شقيقه فتح الرحمن العمرني الاقتصادي والمصرفي المعروف، وأرسل من هناك قصيدة (البنينة) على لسان الحاجة والدته، (والبنينة) هي العصا الثابتة الشهيرة… احتفاءً بهذا الزواج وقال للفنان مصطفى مضوي إنها قصيدتي في الكشف، ويالها من قصيدة أغلى من المال لأنها مشبعة بالحب والتواصل وتقول في مقدمتها: –
الليلة العديل والزين انشاء الله العديلة تقدموا وتبرا
بسم الله ابتديت قولى السمح والزين
والقول ما هو داير للبكتب وبيقرأ
مشكور في الفريق لا بيت ولا بيتين
لا لعب القمار لا جرب الخمرة
شيال التقيلة الشوفتو تملا العين
من قومة الجهل معروف ولد سترة
في بيت الحلالن شاء الله تتهنى
عقبال للوراك من قلبى بتمنى
من بعد العرس حج وكمان عمرة
في يوم السعد الليلة يا المبروك .
حراسك ملائكة وكان مشيت يبروك
من عين الحسود انشاء الله تستبرا.
ياربى الكريم في الدنيا كل مناى
العمر الطويل عشان الاقى جناى.
لي ولاد البلاد البحفظو الذكرى
لقد حز في نفسي أن أجد هذه القصيدة المتداولة دون الإشارة لصاحبها، بل إن بعض المواقع الالكترونية يكتب أن شاعرها مجهول، فقد ظلت منذ ذلكم التاريخ تجدد الود والحب بين الأشقاء ولا شك أن الأستاذ فتح الرحمن العمرني وضع بهذه القصيدة التي تغنى بها الفنان مصطفى مضوى لأول مرة في زواجه تاريخا مجيدا وارثا متداولاً.
في نهاية الثمانينيات عاد العمرني من الكويت والتحق بالتدريس مرة أخرى وأحدث نشاطاً كبيراً في مسابقات المدارس وقد كنا طلاباً آنذاك وكنا نتنافس ثقافياً في (52) مدرسة وكانت النهائيات تقدم عبر تلفزيون عطبرة ما كنا نعرف في ذلك الوقت أن وراء هذه الأفكار العظيمة وتنفيذها مبدع اسمه صلاح العمرني. وبعد ذلك ساهم بفاعلية في تكريم عدد من الشخصيات العطبراوية أثناء هذه المسابقات منهم الشيخ عمر المأذون الذي أجرى أول عقد عام 1932 بعطبرة ، والعم أبو العلا وهو الذي صنع الصالون الرئاسي الذي كان يستقله الرئيس الأسبق إبراهيم عبود، وحتى يتم تجريب كفاءة الصالون تم السفر به حتى (الزيداب) مع وجود كوب ماء على الطاولة، فلم تتدفق من الكوب أي ذرة مياه في سفر الصالون ثم رجوعه، ومما يُحكى عن العم أبو العلا(من يكتب عن هذا الرجل؟) أنه بعد انتهاء العمل نهاية اليوم في الورشة يبقى لمدة بعد ذهاب العمال لالتقاط بواقي الحديد والخشب واختيار الصالح منه حتى لا يتم تصنيفه خردة والاستفادة منه في اليوم التالي ويختم عمله بتنظيف ماكينته ثم المغادرة، ومن الشخصيات التي تم تكريمها أول سوداني(يضرب) صفارة ورش عطبرة وهو الجد/ مبارك أبو زيد(من يكتب عن هذا الرجل؟) والذي عمل في السكة الحديد منذ العام1914 وتقاعد عام 1959 وكما نعلم فإن الصافرة نمطت سكان عطبرة فجعلتهم كأنهم (أوكسترا) واحدة منسجمة في لحنها وسلوكها وعاداتها فساهمت في خلق مجتمع مدني بالدرجة الأولى، وأيضاً تم تكريم العم شريف داؤود(من يكتب عن هذا الرجل؟) وكان هو الشخص الوحيد الذي يحفظ شبكة مياه عطبرة بعد خروج الانجليز، واستعانت به هيئة المياه في توصيل المياه للأحياء الجديدة مثل الفكي مدني والحصايا، وبعد ذلك كلف ابن أخيه المهندس أن يرسم خارطة المياه بحيث أوضح له خفاياها ،وكان أن أهدى لمدينة عطبرة معلومات لولا تفكيره الذكي لاندثرت.
نعود لحياة أستاذنا الشاعر والمؤرخ والإعلامي صلاح العمرني الذي شكل ثنائية مع الفنان مصطفى مضوي وكان أول تعاون هو أغنية (تاتي يارشاد تاتي) بمناسبة أول مولود لمصطفى ثم بعد ذلك توالت الأعمال وأشرها قصيدة الرسالة الآخيرة والتي تقول :-
ودعت هواك بلا حزنٍ وغداً أنساك فتنسيني
لم يبق فيه بذاكرتي حلم أو طيف يشجيني
لا كلمة شعر أكتبها لا لحناً بعدك يشجيني
يا من أهديت لها عمري ماذا بيديك لتهديني
ما عدت أصدق تضحيةً أو أنسى أنك خنتيني
وعيونك تبكي كاذبةً حباً بعتيه وبعتيني
أتكون دموعك من أجلي؟ أم تلك دموع تبكيني
وتعتبر أشعار الأستاذ صلاح العمرني قيمة المحتوى عميقة المعنى، لكن في طابعها الحزن العميق .
بعد ذلك استمرت مسيرة الأستاذ صلاح العمرني الفنية والإبداعية منها إعداد وتقديم برامج توثيقية ومنوعة عبر شاشة تليفزيون عطبرة 2005 -2009 .
مثل العام 2017 عاماً مهماً في حياة الأستاذ صلاح العمرني والذي فقد فيه ابنه (سارية) وهو في قمة الشباب والعطاء، فأنتج هذا الحزن قصائد خالدة مكتوبة بمشاعر الأب المكلوم الحزين، فيقول في إحدى القصائد:-
يا سارية معذورين لو لسة في ذكراك
واحد من الإثنين يا كان رحيلنا معاك
يا تكون حياتنا فداك
ومادام نصيبنا نكون في الدنيا نبقي وراك
خليتنا مجبورين غصباً دوام نطراك
ومكتوب حياتنا تكون كان حركة وللا سكون
وما لينا غير ذكراك
شفناك في صورة للذكري محصورة
زمن الطفولة معاك
تاريخا يوم ولدوك. وما صدفة يوم أدوك
اسمك ولو نادوك
تسرح عيونا معاك وبشويش نتاتي وراك
وبالفرحة متناسين. عمرك حسابو سنين
والدنيا لو بتلم كان بيك فرحنا يتم
وكان الزمن خلاك. وزي ما تدور أداك
إلا الفراق المر. لا بد ساعتو تمر
والحين أوانو يحين. في كل لحظة وحين
ونفضل دوام نطراك
لا شفتنا وشفناك لا قدرنا ودعناك
شن لينا غير راجين يا الله محتاجين
تحسبنا في الناجين….. وصبرا بيدي رضاك
وفي قصيدة أخرى يقول: –
سبحانك اللهم تعلم حاجتي
إذ كان ابني من وهبت رجائي
يا عالماً ضعفي وقلة حيلتي
أرجوك مغفرة وحسن عزاء
ويقول أيضاً: –
خلاص في الدنيا ما باقي….. من العشناه…. والعايشنو.. تاني كتير
لأنو الموت على الوالدنو.. والشايلنو.. والراجنو.. ياهو مصير
متين في الدنيا خلد حي وعاش طول عمرو أبدا حي
ومهما نام وأصبح حي يعرف إنو عمرو قصير
مادام الحساب أنفاس
ويقول: –
سلام يا سارية كيف أصبحت كيف أمسيت
وأبوالقاسم وإبراهيم وبت الشيخ
بدونك كيف يكون البيت
ومن يوم ما فقدناكم
ما باقيلنا غير ما نعيش بذكراكم
وقدر ما نعيش بنطراكم
ونسترجع ملامحكم تصافحونا ونصافحكم
وزي ما الجلسة تجمعنا… بتجمعكم وتحكو حكاوي
نسمعكم
ونمشي درب مشيتوه… ونعيش الإنتو عشتوه
ونشوف الكنتو شفتوه…. مابين أتبرا وشندي
وشوارع بحري والخرطوم ….وما ناسين طريق أم دوم
إن الأستاذ صلاح العمرني يعيش الأن في مدينته عطبرة تدعمه سيرة إبداعية زاخرة وحب عميق للمدينة وناسها وشخوصها.
أكتب هذا المقال والأمل أن تنتبه وزارة الثقافة والإعلام بنهر النيل لطباعة ديوانه (ولكل نهر مصب)، كما أطمع من الفعاليات الشعبية والثقافية والشعرية وزملاء الإعلام بنهر النيل تنظيم يوم للوفاء لأستاذنا صلاح الدين العمرني الرجل الوفي الذي يستحق كل وفاء.
وفي ميدان هذه الشخصيات الخالدة نلتقي

التعليقات مغلقة.