حسن فضل المولى يكتب :.. جننتينا يا آمنه ..

أجد أن ( آمنه ) من أكثر الأسماء تداولاً عند أهلي في ( نهر النيل ) ..

( فآمنه ) هي المحبوبة

والمطلوبة

والمرغوبة ..

لذا يكثر تناولها ، في المأثور من أغنياتهم ..

( نارك زايده آلامنا

جننتينا يا ( آمنه )

حرام تنسيها أيامنا ) ..

ومنذ صغري ظللت لا أَمَلُ فارس الدلوكه( بابكر ودالسافل ) وهو يردد ..

( آمنه الفي الضمير مازياني

ما شفتوها ياخلاني

آمنه الفي الضمير كاوياني

ماشفتوها ياخلاني

تعالوا واسْمِعُوني خَبَارا .. ما شفتوها

الحاشاها ما خبَّاره .. ماشفتوها

دي الموقدة العباد بي ناره .. ماشفتوها

دي المن النسيم تضارا .. ماشفتوها

من يوم صِديره عام في الداره

خلت ناس فلانه حيارى

ماشفتوها ياخلاني ) ..

 

تلك آمنه ،،في وجدان ناس (نهر النيل)

ولكن ماذا عن ( آمنه أحمد المكي ) ،

الوالي !!

( آمنه ) التي ..

أقامت الدنيا ولم تقعدها

عندما تم تعيينها ..

ولم تخذل منتقديها ، عندما مارست صلاحياتها ..

وأنا بدءً ،،

من أنصار أن تتولى المرأة ماهي أهل له ، من وظيفة ، حتى رئاسة الوزارة ، وهي الأشق ، في سلم الخدمة المدنية ..

وفي تاريخنا القريب من النساء من لعبن أدواراً مقدرة في مسيرة الحياة ، السياسية ، والإجتماعيه ، والثقافية ، والفنية ، في السودان ..

بل منهنَّ من تفوقت على الرجال ، وارتقت أعلى الدرجات ، ذلك أن المرأة في طبعها الإخلاص والتفاني ، فيما أوكل إليها من تكليف ، وأسند إليها من وظيفة ..

 

ومما يحُمد للمرأة ، أن ما أنعم الله به عليها من عاطفة ، تأبى عليها أن تُفْرِطَ في العداوة والبغضاء ، والظلم ، إلا إذا استُفِزَت في أنوثتها ، أو انْتُهِكَت مملكتُها ، أو فجعتها خِيانةٌ ممن أسلمته قيادها ،،عندها فلن تتورع في إعمال كل ما يقع تحت يدها من أسلحة مميتة ،،

بداية ( بالكُمشه ) و ( يد الفُندك ) ، مروراً ( بالسكين ) وانتهاءً ( بالساطور ) ..

والعاقل من أحنى رأسه للعاصفة دون مكابرة أو تحدي أو استعباط ..

إذ أنها سرعان ما تسامح ، وتغفر ، وتتجاوز عن من ظلم ..

( أنا عَارْفُه بكره بيعود و في رعشة ندم

ننسى الحصل بيناتنا والسهر اللي كان

تصبح حياتنا نغم وعشنا يبتسم

وتعود مراكب ريدنا لي بر الأمان ) ..

 

وعندما برز إسم ( آمنه )..

كمرشحة للوالي ( بنهر النيل ) سادت قطاعات من مواطني الولاية ، حالة من عدم الرضى والتذمر، و كأن في الأمر ( حُقرة ) وعدم تقدير ، فتحسس كل واحد ( عصاه ) ، وتلمس ( شاربه ) ، إذ كيف لهذا المنصب ، الذي استعصى على رجالٍ أُولِي بأسٍ وقوةٍ أن يسند إلى إمرأة ..

ولم يكن مرد هذا الرفض انتقاص

من شأنها ، أو ازدراء ، فالمرأة تحتل عند أهلي في ( نهر النيل ) مكاناً عليِّاً ، إذ أنها تُربي الرجال على أحسن الطرائق ،

و تسوم الماشية ، وتزرع ، وتغشى الأسواق ، وتُدَّرِس القرآن ، وتحرس الديار ، حيث تنام متوسدةً (السيف) و (السكين) ، وإذا حميَّ الوطيس تتقدم الصفوف ،، متحزمةً معصوبة الجبين ..

ولكن ..

أن تأتيهم ( والياً ) فهذا شيئٌ عُجَاب ، ويبعث على الاستغراب ..

ومبعث التعجب والغرابة ، أن مهمة الوالي كما هو معلوم جد شاقة وعسيرة . لاتصلح لها المرأة بما جُبِلَت عليه ، وهيئت له ، ولما ينتظرونه من الوالي ، من تكاليف ، وواجبات ومشاركات ..

فالناس هناك قبل توفير الخدمات ، ينتظرون من ( الوالي ) أن يكون الشيخ والعمدة والناظر ،، يؤم المصلين أحياناً ، ويتبع الجنائز ، ويغشى المآتم ، ويشهد عقود النكاح ، ويصلح ذات البين ، وفي المُدلَهِمات قِدااااام ، ويقضي ليله مع مواطنيه ، يترس ويصد النيل إذا فاض وأغرق ، وعمَّ القُرى والحضر ..

 

ومعلوم أن إنسان هذه المنطقة صعب المِراس ، لا يخشى كبيراً غير ( الخلَقُو )، لذلك كل من يلي أمرهم لا يجد إلى رضائهم سبيلاً ، إلا بما ذكرنا ، من التواضع لهم ، و مخالطتهم في السراء والضراء ، وتوقير كبيرهم ، واحتمال أذاهم ، ومعاملتهم بالسوية ، والعدل بينهم ،، عندها يحملونه على رؤوسهم ويهبونه الأرواح و المقل ..

وهم في سبيل ، ذلك لايترددون في رفض من لايروق لهم ..

ورُوِيَّ ، والعهدة على الراوي ، أن ( البشير ) زار إحدى المحليات ، ولعلها ( المتمة ) ، وكان بصحبته ( المعتمد ) الذي تم تعيينه حديثاً ، وهو من ولاية أخرى ، فقدمه لهم مثنياً عليه ومزكياً له ، فما كان من أحد أعيانهم إلا أن وقف متحدثاً : ( نشكرك يا السيد الرئيس ، ومصدقنك في كل ماذكرته عن السيد ( المعتمد ) ، إلا أولى بيهو أَهَلُو ، وجيب لينا واحد من أولادنا ) ..

 

و (نهر النيل ) ..

مهد حضارة ضاربة في القدم ..

وتَعُجُ ( بِمَراقِد ) أولياء الله الصالحين ، أولئك الذين لم تُلهِهِم تِجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله ، و تشهد عليهم وتُحَدِث عنهم قِبَابُهم ، المُشْرَئِبة إلى السماء في كل ناحية ، وخلاويهم التي لاتزال نيرانها متقدة ..

فهي ..

( كدباس ) حيث الشيخ ( محمد حاج حمد الجعلي ) ..

و هي ألوف من ،الشموس والأقمار ، الذين خطبوا المعالي ، وملأوا الآفاق بحسن فِعالهم ، فكانوا كلما وضع الرايةَ سيدٌ تلقفها إبنُ سيدٍ كان بها قميناً وعليها حفيظاً ..

أهل كرمٍ ،وجود ، ونجدة ، وعزة ، وإباء ..

أحلامهم تزن الجِبالَ رزانةً

ويفوق جاهلهم فَعالَ الجُهَّلِ..

 

أفئدتهم عامرة بالجمال ،والخير ،واليقين ..

إذ تجدهم يشهدون الجُمَعَ والجماعة ،

و يُقْبِلون على القرآن ،، حفظاً وتلاوة وتدبراً ..

ويرْجَحِّنُون و يطربون ويهتزون ، حتى تظنن وهم ( يَعرِضُون ) و ( يرقصون ) ، كأنهم بلا ساقٍ ولا قدم ، تحت تأثير ( النوبة ) و ( الطار ) و ( الطنبور )

و (النحاس ) و سيدة الموقف ( الدلوكه ) ..

( نقفل الساحه ونشيل مفتاحه

ونمشي ( الباوقه ) اللذيذ تفاحه )..

وهاك من ( دار جعل ) ..

 

وأهلُ ( نهر النيل ) مزيج من قبائل الجعليين ، والعبدلاب ، والمجاذيب ، والميرفاب ، والرباطاب ،والمناصير ، و قد خالطهم الشايقية ، والحسانية ، والفادنية ، و الهدندوه ، وجماعات من كل قبائل السودان ..

و الرباطاب فاكهة قبائل ( نهر النيل )

وياسلام على ( المَسَاخَة )الحلوة ..

محامي قال للرباطابي : ما تغالطني ،،

قال ليهو أغالطك كيف ، وإنت الغُلاط فاتح ليهو مكتب ..

ورباطابي عنده ( فُرُن ) ،جاهو واحد قال ليهو : ( لي يومين ماضقت طعم الرغيف ) ،، الرباطابي قال ليهو :

( ياهو طعمو ذاتو ما اتغير ) ..

والرباطابية ركبت القطر ، ومعاها ولده ،

والقطر كل شويه يتعطل . جا الكمساري

أدتو تذكره واحده . قال ليها : ( وين تذكرة الولد ؟ ) ، قالت ليهو : ( الولد صغير ) . قال ليها : (صغير كيف وشنبو قايم ؟ ) ، قالت ليهو : ( الله عالِم شنبو قام في قطركم ده ) ..

وأجمل ( المناكفات ) لما يجي قطر كريمه ( مَسَتَف ) والرباطاب يركبوا ، تجد نفسك ( أمام مسلسل كوميدي ) ..

(زِحِي كَدِي إنتي قاعده زي البِتِدَخَّن)..

والرباطابي ( يَعَفِص ) الشايقي فيقول ليهو : ( أرفع كراعك من رجلي ) ، فينشبك فيهو الرباطابي: ( إلا توريني البخلي دي كراع ودي رجل شنو ) !!

وكنا نأنس إلى من زاملونا من أبناء الرباطاب والمناصير في ( الدامر الثانوية العليا ) ، ونتحاشى لسان الرباطاب ، وهم أبيضُ الناسِ قلوباً ..

 

وبالرغم من هذا التنوع القَبلي ، فقد إنصهروا ، وتصاهروا ، وأصبحوا كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمَّى ..

وهم في كل تاريخهم لم يبادروا إلى خصومة أو تمرد ،، يلوكون الصبر ، ويغُضُون الطرف عن كل ظلم وحيف يقع عليهم ، لا عن ضعف وعجز ، ولكن ترفُعاً ، و هم القادرون على المنازلة عند ملاقاة الطوارق و النوازل ..

إنهم يَدَّخِرون طاقاتهم ، ويذرون سيوفهم في أغمادها، إنتظاراً لمعارك السودان الكبرى ..

 

إن قوماً ، أولئك آباؤهم ، و تلك صفاتهم ، وهذا كسبهم، وذلك خُلُقِهم ، يُوجِبُ على ( الحاكم المتنفذ ) أن يُولِّي عليهم الأقرب إلى طبائعم ، الأقدر على سياستهم ، الأصلح لقيادتهم ، المستوعب لتركيبتهم ، أو من يُظَن فيه ذلك ، بعد إجتهاد وتمحيص ، وجرح وتعديل ..

ويبقى الناس لايُجْمِعون على أحد ، فالذي يُرْضِي زيداً، يُغضِبُ علياً ..

و إذا كان يَحْسُنُ منك الفعل عندي فغيري يرى فيه ما يسوء ويُغْضِب ..

 

أما وقد جاءت ( آمنه ) والياً ..

وهذا قَدَرُها ..

وقدرُ نا ..

فقد كنت أرى ، أن من الأجدر بها والأوفق للولاية ، أن تُعْمِل الحكمة ، بانتهاجها سياسة ، تُكَرِّس لمسؤوليتها عن الجميع ، من هم معها ومن هم ضدها ، وأن تترك للقانون الأخذ بيد من ظلم وأجرم ، إذ لا كبير أمام موازين العدالة الحقة غير المسيسة ..

وأن تنأى بنفسها بقدر المستطاع ، عن ذلك الخطاب الموغل في الكراهية ، وكيل الوعيد والتهديد ، ذلك أن العداوة تُوَلِّدُ البغضاء ، والتشفي يستدعي إذكاء روح الإنتقام ، والإستنصار بالأهل والعشيرة والقبيلة و الحزب ، والشيطان إن وُجِد إليه سبيلاً ، و هاك يا ( عُكَازِي وعُكازَك )..

و كل من يتوهم ( كابوساً ) مُرْعُِباً يترصده ، و ( بُعْبُعاً ) يتهدده ، و قوة خفية تطارده ، ويتخذ من الحديث عنها ( لِبانةً ) لا يكف عن مضغها ، هو أشبه بمن ينفخ في بالونة جوفاء ، مصيرها أن تنفجر في وجهه ، أو كما كان يفعل محمود الكذاب ، وهو يأتي إلى أهل قريته صارخاً ( النمر ) .. ( النمر ) ..( النمر ) ..

وعندما يفزعه أهله ، لا يجدون ( نمراً ) ولا ( كديسةً ) فتبينوا كذبه فأهملوه ، وعندما هجم عليه ( النمر )مرةً ، لم يخِفَّ أحدٌ لإنقاذه ، فهَلَكَ ..

 

ثم لا يستقيم الأمر إلا بالعدل

والذي هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه ..

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )

أي لا يحملنكم بغُض قومٍ على ترك العدل فيهم ، بل يلزم العدل في كل حالٍ ، صديقا كان أو عدواً ، ( كوزاً ) كان أو ( قحاتي ) ، أو من هو لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فذلك أقرب للتقوى ..

لقد كان ( الفاروق ) ، رضي الله ، عنه قدوة في عدله ، إذ حكم بالحق لرجل يهودي على مسلم ، ولم يحمله كفر اليهودي على ظلمه والحيف عليه ..

ومن شر الأخلاق أن تجعل العدالة ( ِعِضِيِن ) ، تبعاً لهوى النفس والعصبية ، والحزب ،،تبذلها لقوم وتحرمها آخرين ، بحجة أنهم ، كانوا وكانوا ، وهذا عين الظلم و الجور والعدوان ..

 

و الولاية الحقة ، عناية و رعاية ،

يا ( آمنه ) ..

و الراعي الواعي ، هو الذي يجمع الناس حوله ويحببهم فيه ، وهو بالتالي مسؤول عنهم أمام الله جميعاً ، بلا استثناء ، و لا إقصاء ، و لا فَرِز ، ولا ( خيار وفقوس ) ، و تمتد مسؤوليته إلى ( أغنامِهم ) و ( أبقارِهم ) ( وجِمالِهم ) و ( حَمِيرِهم ) ،، يُسَوِّي لها الطريق ، و يهيئ لها الأسواق ، و يوفر لها الماء و الكلأ ..

وليست المعنية بذلك ( آمنه ) وحدها ،

بل كل من وهبه الله السلطة ، من سبق ومن سيلحق ، ذلك أن أمر السلطه ، والذي هو الحكم والمُلك ، لا يناله المرء بحيلة منه ، أو بسعيٍ من إنقلاب أوثورة أو اقتراع صوري ، إذ أنه من صميم المشيئة الإلهية ..

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )

لذا فمن دان له الحكم فلا يفرح ويطغى ،إذ أنه إلى زوال ، ومن سُلِبَه فلا يقنط و يأسى ،فلعل الله أراد به خيراً ، أو أراد أن يصرف عنه سوءً ..

و بكل المؤشرات ، وقبل بداية الإقتراع لم يكن أحد يتوقع أن يغادر ( دونالد ترمب ) البيت الأبيض ، وقد غادر مَلُوماً محسوراً مخذولاً مذموم ..

 

ومن سوء حظ آمنه ، أنها جاءت في زمن أيامُهُ وليالِيهِ ، كِدْنَّ أن يُذْهِبْنَّ اللحم َويبرين العظم ..

والماعندو ( عجين ) ما عندو ( التكتح ) ..

فياااا آمنه ..

لا خبز عنْدَكِ ولاغاز ٌولا جاز ٌولا مالُ

فليُسْعِدُ النطقُ إن لم يسعد الحال ُ

 

وأسأل الله رب الفلق

أن يحفظ أهل ولاية ( نهر النيل )

من شرِ ماخلق ..

 

٢١ يناير ٢٠٢١ ..

التعليقات مغلقة.