
في بعض الأحيان يتسرب حبر الكتابة من قلم العواطف الجياش فيأبى أن يكتب ……القلم اليوم يصمت عن الكتابة، والحرف لن يستطع أن يعبر محيط الحدث، ترددت كثيراَ قبل أن أكتب، فهناك بعض الأحداث أكبر من الكتابة وأثقل من البوح بها، ففقد الأعزاء يُحدث ثورة من الصمت الحزين، والرغبة في أن يقف الزمان عند هذا الحد، فما عاد القلب يتحمل الفجائع، ولم تعد المشاعر مصفحة ضد النسيان، أصبحنا نعيش في التاريخ بناسه وذكرياته وأحداثه وزهدنا في المستقبل.
بالأمس القريب أضاف سجل الفقد والحزن الدوحة الباسقة الخضراء في بستان الأسرة واستراح تحت ظل الوالدة العزيزة الحاجة آمنة حسب الباري حمزة أبو جيقة ،فأعلن الحزن راياته في حي الداخلة العريق التي لم تفارقه الحاجة آمنة إلا للاستشفاء بالخرطوم أو العمرة والحج، عمر طويل قضته الحاجة أمنة في حي الداخلة بعطبرة تزوجت وأنجبت وربت وتواصلت مع الناس وتركت أعطر سيرة، واحتضن منزلها أسرة كبيرة من البنين والبنات، فصبرت وساهمت ودبرت وآزرت زوجها العامل البسيط بورشة المخارط بالسكة الحديد الحاج محمد أجمد حمزة أبوجيقة، فخرج المنزل أجيال وأجيال في مختلف أنواع الحياة، وبصفتي الحفيد الأكبر للحادة آمنة أجد من واجبي أن أستأذن أكثر من أربعين حفيداَ وحفيدة للحديث عنها، ونعود لمؤازرتها لزوجها فقد كانت بمثابة وزارة المالية والاقتصاد، وما زلت أتذكر أن جدي كان يعطيها كل راتبه، ويتفرغ لإنجاز دخل أضافي من الزراعة، فكانت المدبر الحكيم لمنزل عُرف بالكرم والضيافة والنظافة والأناقة رغم بساطته، والحاجة آمنة ذاتها كانت امرأة بهية الطلعة أنيقة الملبس ودودة الكلام كثيرة السلام، حريصة على السؤال عن الناس، تدخل داخل الأعماق وهي تسالك عن حالك، كل ذلك في مواكبة جميلة عن أحول أهلها وجيرانها، كانت الحاجة آمنة خبيرة بمعرفة أحوال الفقراء والمحتاجين، تُعطى في خفاء يعلنه لنا بعض من قدمت لهم العطاء، كان كرمها صادقاَ غير مصطنع، كرم مخلوط بفرح العطاء، وعطف الأمهات، زاوجت الحاجة آمنة بين الظُرف والفكاهة وقوة الشخصية، كانت قوية في الحق، وكلمة الحقيقة، لكنها سريعة التراجع عن مواقفها لو شعرت أنها جرحت شخصاً، كانت لا تعرف العتاب والخصام والفجور فيه، لذا أحبها الناس، وأصبح منزلها الملاذ والمقصد خاصة بعد أن قلت حركتها ولزمت منزلها. أتذكر في الثمانينيات وهي ذاهبة للحج اجتمعن نساء الداخلة لوداعها فارتجلت الحاجة المرحومة النعمة بت عبد الله قصيدة طويلة كانت بدايتها:
حجة وعودة للحبان
أم بدرية أم بدران
سليمة النية
وقد شهد لها الجميع بنيتها السليمة وقلبها الأبيض وحبها للناس، ظلت الحاجة أمنة عميقة التدين من غير تظاهر بذلك، فهي لا تعرف النميمة ولو عندها أي كلام واجهت به من غير تردد أو خوف ، وتعود من يجالسها ألا يتحدث عن أي شخص إلا بخير، ولو كان بشر لتطوعت وسألت الطرف الآخر مباشرة ،لذا ظلت مجالسها خالية من النميمة والقطيعة، كانت مجالسها في الخير والود والمحبة والرحمة.
لم تدخل الحاجة آمنة المدارس ودور العلم،لكنها كانت حكيمة عالمة مثقفة،تعرف العالم والرؤساء والساسة وتتحدث عن حقوق الانسان ،ظلت لها علاقة كبيرة بالراديو والتلفزيون ،تتابع نشرات الأخبار وتحللها كأنها نائبة في برلمان،كانت كثيراً ما تهزم المتعلمين بغزارة معلوماتها وحكمة رأيها في الساسة، عاشت حريصة على صحتها فماتت وهي ذاكرة متقدة رغم تقادم الأعوام عليها، فلم تنس شخصاً، بل ظلت تحتفظ بالأشعار الكثيرة التي نظمتها جدتها الحاجة كلتوم بت أحمد،والدة والدها حسب الباري حمزة سائق القطار والبصير المعروف ورجل المجتمع، وللحاجة آمنة نصيب من بيئتها، فتعلمت النظام والنظافة والترتيب واللين واللطف والطرفة من والدتها فاطمة بت اللباب وأخواتها الحاجة التومة والحاجة دار الزين ، والشجاعة في الحق والحكمة والتواصل الاجتماعي من والدها الحاج حسب الباري حمزة، وحلاوة الكلم ونظم الأشعار وحفظها من جدتها الحاجة كلتوم بت أحمد.
رحلت الحاجة آمنة ورحل معا طيف جميل من الأفراح، وأوقات كنا ننتهزها لنكون بالقرب منها، ولا شك أن الحزن مخيم الآن في الداخلة من (الصنفور وحتى نبرو)، ونسأل الله أن يجعل مرضها كفارة لها، والعزاء لكل الأسرة ولكل الأهل بالداخلة ،مضت الحاجة آمنة في هدوء كما عاشت، وتبقى تلكم القيم التي أرستها، وفي الختام نتقدم نيابة عن الأسرة لكل الذين وفقوا عليها وشيعوها إلى مرقدها الآخير، والأهل بعطبرة والداخلة، وكل الذين تكبدوا مشاق السفر، وتحايا خاصة للأصدقاء والجيران بالأحساء بالسعودية الذين وفقوا معنا حتى مغادرة الوالدة للعزاء بالسودان ، نسأل الله لها الرحمة والمغفرة، إنا لله وإنا إليه راجعون.
التعليقات مغلقة.