الطيب صالح و فيضان النيل – لم يعد الامر متعلقا بفتح القنوات بل هي رسالة القرون

 

محمد امين ابو العواتك

تساءل استاذنا الطيب صالح عن متي نفهم نهر النيل الخالد الذي ضاق بمحبسه كأنه يريد ان يقول شيئا؟
وعن متي نفتح القنوات للنهر حتي تهدأ ثورته؟!
وإناجي اليوم روحك في برزخها في عالم الارواح واقول لك يا استاذي ان نهرنا الخالد الذي ظل يمدنا بأسباب الحياة ويشهد الانسان علي مر اجيال البشر علي هذه الارض منذ ابو البشرية الثاني نوح عليه السلام .. واقول بان النهر (لم يضق) يوما (بمجراه) علي هذه الارض المباركة التي يعلم رباطه المقدس معها منذ ان كانت المشيئة من الخالق بانه (احد انهر الجنة) التي لم ينتبه احدا الا مؤخرا جدا بأنها علي الارض وليست في السماء كما ورد في السفر العظيم ( بنو اسرائيل في ارض كوش )!
وفي ديمومية العطاء لهذا النهر الخالد بقدر مدد قطرات المطر وإمداد امواج الخيرات والرزق الوفير معاشا وسقيا ليكون شريانها الابدي وإن تنوعت وتعددت المنح والعطايا الإلهية فيها ..
ولكنك بالتاكيد استاذي سيد الحرف الشجي كعادتك قد أصبت في انه يريد ان يقول شيئا؛
نعم لقد ضاق به الحال ويريد ان (يبلغ رسالته) بكل هذا العنفوان لكل ساكني هذا الوادي اليوم فهي احدي وظائفه المقدرة والتي ظل يؤديها امانتها دائما علي مر القرون..
وهو دور قدري يجعلنا دائما نتوقف ونتدبر في معني كلمة (شئ) التي ترد علي الدوام في معرض الأمثال الإلهية التي لايحيط بها الا لمن شاء بما شاء ويضرب الله الأمثال للناس..
فحاشا نهر الجنة (التمرد) علي (المشيئة) لكنه بالفعل (يضيق) بسعي واخلاق ساكني الضفاف ومن جاورهم …لاسيما في حالات التجرؤ علي قدسية هذه (الارض المباركة) والتي لها قوانينها التي يحفظها كل ما يدب في هذا الوادي المبارك بقدر… او سكانه من الصم كالجبال والحجار … نعم فلقد كان هناك حجر يلقي السلام لمن كانت تنفعل معه الكائنات صلوات ربي وبركاته عليه و والديه واله بوسع ذاته الكلية الشاملة لها جميعها كما جاء في كتاب ( كلية الانسان)..
فهي قوانين لاتحتاج (لجنة دستور) او (جمعية تأسيسية) او حتي (بيان رقم (١)) لانها قوانين كونية ونواميس واجبة النفاذ لان امره ..كن فيكون …فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ..
فعندما تتهيأ الاكوان لامر جلل وحدث مفصلي بما نشهد من احداث متلاحقة كل يأخذ بانفاس الاخر مع التنوع فهناك رسالة بالفعل لاهل هذه الارض ..وهو ما كان يحدث دائما لكن مع تطاول الاماد وتزوير الاثر يتناسي الانسان احداث مماثلة حدثت في هذه الجغرافيا ( السيل العرم) الذي دمر فيه النيل الذي لايزال يتدفق من اعالي الهضبة (سبأ-سوبا) بعد ضيع اَهل هذه الارض المباركة هدي سليمان عليه السلام ورسالة الاخلاق وهكذا تظل المشيئة دائما في كل زمان لانه مدبر بأمر ومجر بقدر..
فهذه المرة يا استاذي لا اعتقد بان الامر متعلق بمكان لفتح القنوات فلقد قام سكان الضفاف بكثير من مجافاة هدي الاخلاق وليس في بيع بعض من أراضي مجري النهر ذاته سكنا لآخرين فحسب بل برعوا في تحويل حياتهم بعضهم بعضا جحيما بغيا بينهم واعتنقوا كل ما يستدعي العقاب بمجافاة رسالة الاخلاق التي هي دين الوادي المقدس بمختلف نسخ رسالاته السماوية.
(واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) وكل فعله عدل ونسأله اللطف..
وسلام علي (سليل الفراديس) الذي كان بلاغه هذه المرة قويا والاكبر منذ (قرن من الزمان) ولعلها (رسالة القرون) التي تنبئ عن ماهو محتوم ولعلك تعلم استاذي الطيب صالح ان عاقبة وراثة هذه الارض للعباد (الصالحون) اهل الصدق..
و التي ستخرج يوما ما افضل ما في باطنها و ستكون زينة البلاد وعروس الدنيا وستغرد فيها القماري وكل طيور الدنيا بما لا اذن سمعت.

//////انتهي

فمتى تفتح القنوات للنهر وللبشر ومتى تهدأ ثورة النيل؟
الطيب صالح:
الذين حضروا ايام الإنجليز من المخضرمين امثالى يذكرون أن فى المديرية الشمالية كانوا يشقون قنوات على ضفتى النيل على طول إمتداده فى ذلك الإقليم كان لذلك فائدتان حين يفيض النيل يفتحون تلك القنوات فيسيل النيل على الضفتين فتمتص الأرض الظمأى فائض الماء من النهر فلايحدث الخراب والدمار الذى يحدثه إذا لم يجد متنفسا وقد كان ذلك فى ظنى الهدف الاهم من فتح تلك القنوات؛
الفائدة الثانية هى أن ماء الفيضان يصل الى أماكن لا يصلها عادة فتكون زراعات ومراعى أغنام وغابات طلح وسيال وعشر وغير ذلك كان يثبت الأرض الرملية ويقى من رياح السموم ويبسط الظل على عدوتى النيل
وكان فى بلدنا غابة كبيرة من اشجار الطلح يسقيها النيل من تلك القنوات من عام الى عام وقد نمت وإزدهرت لأن الحكومة كانت تمنع منعا باتا قطع اى شجرة إلا بإذن خاص فى حالات نادرة ؛
من تلك الحالات النادرة قطع شجر طلحة العرس فقد كان من طقوسهم فى الاعراس أنهم يمشون الى الغابة فى زفة عظيمة فيقطعون شجرة طلح ويعودون بها الى دار العروس؛
أذكر وأنا صبى فى الاربعينات عرسا كانت له شنة ورنة من تلك الأعراس التى يؤرخ بها وتظل اصداؤها تترددزمنا طويلا
كان العريس إسماعيل صبير من اهلنا ناس كرمكول وكان اخا وحيدا بين عدة اخوات وكانت العروس إبنة المرحوم عبدالله عباس الذى كان يومئذ من كبار موظفى الجمارك كان من اوائل خريجى كلية غردون من اهلنا إضافة الى ان اخت العريس زينب صبير عملت لأخيها سيرة لم يحدث مثلها من قبل ولا بعد كانت شابة وضيئة متزوجة لا اظن أن سنها كانت تزيد على خمسة وعشرون عاما أذكر لونها العسلى وثغرها البراق ووقفتها النبيلة وصوتها العجيب الذى تعجز الكلمات عن وصفه بدت لى تحت ضوء المصابيح ولابد إنها ظهرت كذلك لأهل البلد كلهم كأنها طيف ملائكى حل علينا من كوكب آخر.
سرنا معها كالمسحورين يحدونا صوتها الاسطورى من دار العروس فى كرمكول شاقين البلد من الغرب الى الشرق حتى وصلنا الغابة عند دبة الفقراء ظلت تغنى كانها ترتجل حتى قطعنا الطلحة وعدنا الى كرمكول ربما اكثر من ثلاث ساعات وربما اربع وصوتها يزداد عمقا ومدى وجازبية والصور والمعانى تصل الى وجداننا منها مثل رفيف أجنحة القطا
جيد لى أنا جيد لى بى ذاتو
يا نمر الخلا الفارد جناحاتو
حين صرت اكبر سنا واكثر إدراكا فهمت أن زينب بت صبير صنعت فنا عظيما فى تلك الليلة خلقت اسطورة لاخيها فإذا هو أجمل وأكرم وأشجع وأغنى وادخلت البلد قاطبة فى نسيج عالمها الإسطورى فإذا بلدنا نعرفها زيادة وإذا نحن جميعا كما نعرف انفسنا وأكثر كذلك يصنع الفن العظيم ؛
إنما الحياة كانت بالفعل حلوة فى تلك الايام حلوة حلاوة من لايعرف طعمها إلا من ذاقها فماذا كانت عندنا يومئذ ولم يعد عندنا اليوم؛
لم يمهل القدر زينب بت صبير بعد اشهر معدودات من تلك الليلة المشهورة وأختطفها الموت فجأة دون علة واضحة رحمها الله كانت حقيقة طيفا ألم بالبلد ثم عاد من حيث اتى؛
لاتوجد اليوم اعراس كالعرس الذى غنت فيه زينب فى أى من قرى شمال السودان فقد فرقت القرى من اهليها الذي تفرقوا أيدى سبأ إختفت الغابات على الضفتين وهاجرت القمارى بشجوها؛
النيل الرحيم الودود عادة ظل فى العهود الاخيرة يطمس المعالم ويمحو الآثار كأنه يريد أن يقول شيئا كانه ضاق بحبسه بين الضفتين فمتى تفتح القنوات للنهر وللبشر ومتى تهدأ ثورة النيل ومتى تعود القمارى بشجوها.
#فيضانات_السودان

التعليقات مغلقة.