استراتيجيات – د. عصام بطران

الحرب بالاغراق ..

– ما يشهده السودان من فيضانات غير متوقعة هذا العام وبمقاييس لم تشهدها البلاد من قبل جعلني استدعي خيالي واطلق عنان التامل كما افلام الخيال العلمي “science fiction” تلك المقطوعات السينمائية التي تمثل نوع من الفن الادبى الذى يعتمد على الخيال وتكون فيه القصة الخيالية مبنية على الاكتشافات العلمية التاملية والتغيرات البيئية وارتياد الفضاء والحياة على الكواكب الاخرى حيث يعمد المؤلف الى الاستعانة بتقنيات ادبية متضمنه فرضيات او استخدام لنظريات علمية فيزيائية أو بيولوجية او تقنية او حتى فلسفية واضيف اليها تفكير وتاملات استراتيجية ..
– وقوع السودان بين سدين بدولتين تناصبانه التنافس الاستراتيجي والصراع على التطور والتقدم على حساب موارده ومقدراته الاقتصادية والاجتماعية .. السد العالي على حدود السودان مع مصر وسد النهضة على بضع اميال من الحدود مع اثيوبيا جعلا السودان بين المطرقة والسندان وتم وضعه دون اي خيارات غير الاستيعاب مما ادخله في مأذق لم يكن في الحسبان لعله يفرز نوع جديد من انواع المواجهة الحربية التي تستغني ادواتها عن الجيوش والاسلحة والعتاد الحربي ..
– اشرعة الخيال تتصل مع جسور الحقيقة الماثلة فكل من يعتقد ان فيضانات هذا العام بمعزل عن ايادي الفعل السياسي الملتهب بين الدول الثلاث جراء تعثر المفاوضات بشان تشغيل وملء بحيرة سد النهضة فهو بعيد عن تضاريس العلاقة التنافسية بين اثيوبيا والسودان او بين مصر والسودان او بين مصر واثيوبيا فكل دولة باتت تخبئ اسلحتها “تحت لحافها” لمواجهة خطر الاضرار بمصالحها القومية خاصة في فقدان حصتها من مياه النهر العظيم ..
– تمدد فيضان النيل هذا العام هو مؤشر خطير يهدد الامن القومي في السودان نتيجة التحكم في “الاطلاق والاغلاق” لمحابس السدين العظيمين والسيطرة في تدفق المياه وما يحدثه من اضرار بالغة الخطورة على الزرع والضرع والانسان على طول مجرى النيل بل يتعدى ذلك الاغراق الشامل ان ارادت اثيوبيا اعلان الحرب الفتاكة على السودان ليس بجيوشها ولكن بمجرد ضغطة زرار التحكم في محبس مياه سد النهضة ليحدث الدمار الشامل لكل البنى التحتية بدءا من منابع النيل الازرق وحتى محبس السد العالي في الحدود المصرية ..
– ما يحدث من فيضان متعاظم لا يتناسب مع مستوى كميات الامطار على الهضبة الاثيوبية هو مجرد “قرصة اذن” و”حرب بالاغراق” من اجل تجيير الموقف السوداني لتحسين الموقف التفاوضي في مفاوضات سد النهضة لصالح اثيوبيا .. وحقيقة الامر التي لا تحتاج لاثبات ان اثيوبيا قد شرعت فعلا في ملء تجريبي لسد النهضة “المرحلة الأولى” في شهر يوليو ب ٥ مليار متر مكعب ولعدم وجود رقابة او اتفاق لتشغيل السد من الممكن ان تكون الكميات المخزنة من المياه اكثر بكثير .. ولعل اثيوبيا ارادت بذلك ارسال رسائل مهمة في بريد السودان ان حرب المياه قادمة وهي الاشرس والاخطر من حقول الالغام والمدرعات المجنزة وقوة ردع الطيران وهناك خياران امام السودان احلاهما مر اما الوقوف بجانب اديس اببا في المفاوضات او الطوفان ..

التعليقات مغلقة.