الزبير سعيد يكتب: أهمية (ترميم )علاقة الشرطة بالمجتمع

 

 

لابد من التفكير الجاد والمسؤول في مبادرة وطنية هادفة يقودها عدد من الشخصيات ذات الحضور المؤثر والقبول المطلق من المجتمع وذلك من أجل ترميم العلاقة بين المجتمع السوداني والشرطة بمختلف مكوناتها ، وذلك لأن رجل الشرطة في الأصل مواطن يضطلع بمهام محددة وفق القانون …
لقد حدث شرخ كبير في علاقة المجتمع السوداني بالشرطة منذ اندلاع الثورة ديسمبر المجيدة ولقد ظل أعداء الوطن والثورة يبذلون أقصى جهودهم حتى تتسع الشقة وتستعر نيران ذلك التباعد الذي يؤثر سلبا في الأمن الاجتماعي ويساعد على الانفلات والأخلال بالسلامة العامة…
واهم ما يجب أن يعلمه الجميع هو أن هتافات الجماهير ضد رجال الشرطة تأتي بصورة عفوية ولا يمكن لأي جهة اعتبارية أن تتبنى تلك الشعارات وتدعي الوقف وراءها كما أن تلك الهتافات لم تكن جديدة ولم تبدأ مع الحراك الثوري الأخير فقد كنا نحن جيل ثورة أبريل 1985 قد هتفنا (يا بوليس ما هيتك كم ..رطل السكر بقى بكم)؟
ولا شك أن هذا الهتاف كان القصد منه توجيه رسالة عتاب لرجال الشرطة مفادها انهم جزء من هذا الشعب ويواجهون ذات المعاناة التي يواجهها عامة الشعب وان المطلوب منهم الانضمام للثورة وليس قمعها …
وحتما فإن هناك العديد من البيوت السودانية التي ينتمى اليها عدد من رجال الشرطة بمختلف الرتب العسكرية، وأنهم مع الناس ومنهم ولا أحد
من حقه أن يجردهم من وطنيتهم أو حقهم الإنساني وبالتأكيد كان معنا في تلك المظاهرات من هم من أبناء رجال الشرطة من الذين إذا تأملنا في مهامهم المنصوص عليها في القانون نجد ان رجل الشرطة هو الأقرب إلى المواطن ويكفي أن مهمة حماية المواطن وتأمينه في نفسه وأسرته وماله تقع على عاتق رجل الشرطة دون غيره من جميع الذين ينتمون للقوات النظامية ومن هنا اكتسبت عبارة (الشرطة في خدمة الشعب ) قيمة مضافة وأصبحت أيقونة يستدل بها الناس عندما يتحدثون عن تلك العلاقة ذات الأبعاد الاجتماعية والأمنية والثقافية…
ولا ينكر أهمية الشرطة في اي مجتمع إلا الذي يعاني من خلل في عقله ، لذلك أعتقد أن أي تباعد نفسي بين الشرطة ومكونات المجتمع المختلفة يشكل خللا واضحا في منظومة الأمن الاجتماعي كما يكشف ظهر المجتمع أمام كل الظواهر السالبة ويفتح العديد من الثغرات التي يستغلها أعداء المجتمع والشرطة في ذات الوقت ونعني بهم (المجرمين) أو كل من يخالف القانون ويعشق العيش في الظلام والسير تحت مظلة الريبة والشك …(أي عدو للمجتمع هو عدو للشرطة ).
من هنا لا يكتمل دور رجل الشرطة إلا إذا تعاون معه المجتمع بصدق وتجرد …
وما يجب أن يعلمه كل الذين يشعلون نيران الفتنة بين المجتمع والشرطة أنهم بذلك يعرضون الأمن الاجتماعي لخطر حقيقي ويقدمون أعظم هدية لكل خارج عن القانون .
نعترف بأن سنوات حكم الإنقاذ البائسة أفسدت كل شيء ومن الطبيعي أن يتأثر قطاع مهم مثل الشرطة والتي عمل النظام على تحويلها لإداة لحمايته ولم يتورع من السعي الجاد لجعلها أداة لقمع الناس ، ولكن ليس من العدل أن نقول بأنها نجحت في ذلك بنسبة مائة في المائة كما ليس من المنطق محاكمة الشرطة بمعزل عن كل مؤسسات الدولة الأخرى التي حاول نظام المؤتمر الوطني ان يجعلها في خدمة الحزب قبل الوطن والمواطن ولكن نحن نقف عند الشرطة لقناعتنا بأهميتها وقيمتها ودورها الحساس تجاه المجتمع …
قناعتي بأن الشرطة اذا أصبحت يد السلطة التي تبطش
بها فإن السلطة هنا تكون قد خسرت الشرطة والمجتمع معا …والشرطة كجهاز قومي يستحق أن يكون الانتماء له وحده يمثل فخرا ومدعاة للتباهي وهو انتماء يجب ألا ينافسه إلا الانتماء للوطن …
ونعني بإيضاح أكثر أن رجل الشرطة مثل (القاضي) لا يجب أن ينتمى لأي حزب أو تيار سياسي حتى لا يؤثر ذلك عليه في أداء واجبه تجاه المجتمع …
نخلص إلى أن الشرطة يجب أن تكون هي شرطة الشعب أولا وأخيرا وأي نظام أو حكومة حريصة على نجاح الشرطة في أداء واجبها يحب أن تحرص على الابتعاد عن استقطاب الشرطة أو العمل على وضعها تحت الوصاية السياسية أو ربط عملية دعمها وتطويرها بأي شروط خلاف شرط أن تكون قادرة على القيام بواجبها المهني والقانون تجاه الوطن والمواطن.
وما يجب أن يفهمه المواطن العادي هو أن أي عداء بينه وبين الشرطة أي من قطاعات الشرطة يضر بالمجتمع والوطن وان فكرة وجود شرطة في أي دولة قائم على مبدأ حماية المجتمع بطريقة قانونية ومن خلال أفراد الشرطة الذين يمثلون الوسيلة المثلى لتطبيق القانون دون أي نوع من (المحاباة أو المجاملة ).
ليس من الواقعية أن نطالب بعلاقة نموذجية بين المجتمع والشرطة لأن ذلك يبدو مستحيلا حتى على مستوى أكثر الدولة تقدما ودونكم ما تشهده امريكا في هذه الأيام من مواجهات بين المجتمع الأمريكي ورجال الشرطة …
ولكن نحن نطالب بأن يكون القانون هو الفيصل في رسم حدود تلك العلاقة، كما نطالب بضرورة أن يكون (الاحترام ) حاضرا بين الطرفين وان يعترف كل طرف بحق الآخر ودوره ،إذ لا يمكن أن تنجح الشرطة في أداء واجبها بالشكل الأمثل و تؤدي مهامها حتى وإن توفرت لها كل الامكانيات دون أن تجد السند والدعم المعنوي من المجتمع، كما لا يستطيع أي مجتمع أن يعيش بسلام وطمأنينة من دون وجود شرطة مؤهلة و واعية بدورها وحريصة على أداء واجبها بمهنية والتزام أخلاقي.
أمانة القلم تجعلنا نطالب بضرورة الاهتمام بتجسير الهوة التي حدثت بين الشرطة والمجتمع والإسراع بإيجاد وسيلة موضوعية تزيل ما علق بالنفوس ، وهذا لا يعني أننا ندعو لأي شكل من أشكال ارتخاء عصب المحاسبة أو التراجع عن إقرار مبدأ تطبيق القانون على كل من يستغل نفوذه أو سلطته ويرتكب أي نوع من التجاوزات أو يخالف القانون …
بالمقابل فلابد أن يتحلى المجتمع بالوعي الكامل في النظر إلى رجل الشرطة وعدم التعامل معه على أنه جزء من السلطة الحاكمة بينما في الواقع فإن الشرطة ووفقا لطبيعة دورها وبنود اي دستور فإنها تعتبر جزءا من المجتمع وان صلاح ذلك المجتمع واستقامته مرتبط بصلاح الشرطة ومدى التزامها جانب القانون والأعراف والتقاليد وهي تؤدي واجبها المهم تجاه جميع فئات المجتمع …

التعليقات مغلقة.