التحالفات السياسيةالسودانية:
وحدة الهدف المرحلي وغياب الرؤية المستقبلية ..!!
الحلقة 16 “الاخيرة”
.. وقائع واحداث عقد التحالفات السياسية المرحلية منذ العام ١٩٥٣م الى ٢٠٢٠م كان العامل المشترك الذي تسبب في تلاشيها الاحزاب السودانية التي ظلت ولا زالت تعاني من ازمة خلل النشأة والارتباط بالاخر بجانب ولاء النخب السياسية لمعسكرات الاحلاف العالمية السي اضعف الممارسة السياسية لحظة الميلاد ولازمتها تلك الحالة المرضية في المستقبل ..
.. عانت ولا زالت التحالفات السياسية السودانية خلال الحقب المختلفة من الديموقراطيات الثلاث ومقدمة الفترة الديمقراطية الرابعة التي نشهد الان مخاضها ظلت ترزح تحت مضاعفات ازمة غياب الرؤية الاستراتيجية والانقسامات وهشاشة التحالفات وضعف البنية الهيكلية للاحزاب السودانية ..
.. هكذا الحال تحالف ائتلافي ثم انهيار التحالف التكتيكي ثم معارضة ثم تحالف من نوع اخر حيث لم تدم أيٍ من الحكومات التى تشكلت لفترة تمكنها من تحقيق انجازات تذكر .. ففي خلال الفترات الثلاث المتقطعة لممارسة الحكم المدني للسلطة في البلاد يضاف اليها مقدمة الفترة الانتقالية الحالية والتي بلغت في مجملها ١١ سنة ونصف تقريبا سادتها وتسودها الان العديد من الصراعات السياسية مما أقعدها عن أداء دورها المناط وجعلها عرضة لدائرة استلام الحكم منها بواسطة القوات المسلحة “الانقلابات العسكرية” ..
.. في ختام هذه الحلقات من سلسلة “التحالفات السياسية السودانية وحدة الهدف المرحلي وغياب الرؤية الاستراتيجية” يمكن تلخيص اهم الاسباب التي ادت إلى ذلك في الصراع الحزبي والكيد السياسي بين الاحزاب الطائفية فيما بينها من جهة وبينها والاحزاب اليسارية من جهة اخرى والصراع داخل الحزب الواحد وعملية الانشقاق والاندماج وكثرة الاستقطاب السياسي داخل المجموعات المتنافسة كما لم تتمكن الأحزاب من وضع دستور دائم للبلاد يؤمن عملية تداول السلطة المدنية وديمومتها اضافة الى لجوء الأحزاب السياسية إلى تشكيل خلايا حزبية تتبع إليها بالقوات المسلحة حيث كانت كتلة المعارضة دائماً ما تلجأ إلى تحريك مجموعتها داخل القوات المسلحة للاستيلاء على السلطة .. بجانب عدم حصول أي من الاحزاب السياسية الكبرى للاغلبية المطلقة في جميع الانتخابات التي جرت بالبلاد مما جعلها عرضة للتحالفات المرحلية والتكتيكية حتى تتمكن من تشكيل حكومة حسب الميكانيكية الانتخابية .. والطامة الكبرى ميل الاحزاب السياسية الى ولوج العمل العسكري المسلح فظهر التجنيد الحزبي العسكري الذي تطور الى جيوش وحركات مسلحة تفرض اجندتها الحزبية عبر التفاوض مقابل وضع السلاح والرجوع للعمل المدني حتى انشأت مفوضية تعنى بالتسريح واعادة الدمج ..
.. من نافلة القول ان الاحزاب السياسية السودانية احزاب مهزومة الفكرة قامت ونمت وترعرعت على رؤى منغلقة على ذاتها دون اهداف نابعة من تماسك التشكيل البنيوي الهرمي “المعكوس” اذ يمثل رئيس الحزب القائد الملهم الذي لا يقبل من العضوية في القواعد توجيه النقد لسياساته او تغيير مساره .. لذلك لم يشهد التاريخ السياسي الحزبي في السودان حزب اجرى تغييرا ديمقراطيا في رئاسته فالمؤسس يظل يحمل الراية ولاتسقط الا ب”انقلاب” داخلي يقوده تيار من داخل الحزب لتبدأ دورة الانشقاق والتشظي الى مجموعات حزبية صغيرة “حويزبات” ويظل الرئيس رئيسا للحزب “الام” مدى الحياة .. حتى الاحزاب التي تدعي الحداثة يظل قادتها محل اقامة دائمة لاتقبل التبديل ..
.. فشل الحكومات المدنية منذ فجر الاستقلال الاول في ١٩٥٣م والذي بدا منذ الحكومة الوطنية الاولى “حكومة الحكم الذاتي” واعلان الاستقلال من داخل البرلمان في ١٩٥٥م واول حكومة وطنية في اعقاب خروج المستعمر في الاول من يناير ١٩٥٦م يعزى لازمة غياب الرؤية الاستراتيجية للاحزاب السودانية والانقسامات والتشظي والتحالفات الهشة مما جعل الاستقلال من المستعمر منقوصا تمخض عنه عدم توفر الثقة في الاحزاب السياسية السودانية وفاعلية المدخل الديمقراطي الليبرالي لممارستها للسلطة بالسودان مما باعد بينها والمواطن البسيط الذي لم تلبي طموحاته في تحقيق اي مشروع تنموي او اجتماعي او سياسي او دستوري يجعلها قريبة اليه ومرغوبة عنده لتدير عملية سياسية ناجحة بالبلاد وذلك بعكس الحكومات العسكرية التي استمرت ببعض الثقة والرضاء الجماهيري في حكم البلاد منذ استقلال السودان المجيد ..
.. اذن مكمن تشويه الممارسة السياسية مصدره الاحزاب .. ولإنتاج احزاب كبيرة نوعية تتمكن من استقطاب عدد كبير من العضوية النوعية وكذلك الحد من ظاهرة توالد الاحزاب المتبرعمة لابد من ضوابط تحكم ممارسة الاحزاب للعملية الديمقراطية يمكن ايرادها في الاتي:
اولا: ايراد مواد ونصوص بالدستورتحدد اسس البناء الهيكلي والتنظيمي للاحزاب السياسية وطرق ووسائل تكوينها وتسجيلها ..
ثانيا: صياغة قانون جديد لتسجيل الاحزاب السياسية يحجم ويقلل عدد الاحزاب على الا يتجاوز العشرة احزاب سياسية كحد أقصى ..
ثالثا: اعتماد عضوية الحزب وفق نسبة مئوية محددة من واقع التعداد السكاني لتكون شرطا لتسجيل الحزب السياسي ..
رابعا: يعقد الحزب السياسي عقب عملية التسجيل مؤتمرات قاعدية للعضوية بنسبة مشاركة لا تقل عن ال ٧٠% من جملة العضوية ..
خامسا: تقديم الحزب لرؤية واضحة المعالم حول قضايا السلام والوحدة والهوية والشراكة السياسية القائمة على الثوابت الوطنية ..
سادسا: تنظيم مؤتمر جامع للاحزاب السياسية السودانية لدراسة نماذج الممارسة الحزبية في السودان “نموذج ١٩٥٣م” ونموذج ١٩٦٤م” ونموذج ١٩٨٥م” لاستخلاص سلبيات الممارسة السابقة ..
سابعا: اعتماد احدى الصيغ التي تمكن من تأهيل عدد خمسة احزاب سياسية من بين العشرة احزاب المسجلة وفق القانون ليحق لها التنافس في الانتخابات ومنها:
أ. اجراء استفتاء شعبي خلال الفترة الانتقالية يشارك فيه كل السودانيين لتاهيل الاحزاب الخمسة الكبرى ..
ب. حصول الحزب على نسبة ٥% من جملة الذين شاركوا في التصويت وتستبعد الاحزاب الاخرى في حال عدم حصولها على النسبة المئوية المحددة ..
ت. تحديد عدد الاحزاب الخمسة الكبرى المؤهلة للانتخابات عن طريق إجراء انتخابات الدور الأول “الانتخابات البلدية”.
ث. اعتماد نسبة مئوية من جملة العضوية بالحزب توزع وفق نسب التعداد السكاني بكل ولاية من ولايات السودان ..
ج. تقديم الاحزاب الخمسة المؤهلة لخوض الانتخابات نفسها عبر برنامج خطة استراتيجية تحوي الرؤيا والرسالة والهدف الاستراتيجي والاهداف الفرعية وتشمل البرامج والانشطة والحلول في مجالات عناصر القوة الاستراتيجية الشاملة للدولة التي يعتمدها الحزب في حال فوزه في الانتخابات ..
التعليقات مغلقة.