التحالفات السياسيةالسودانية:
وحدة الهدف المرحلي وغياب الرؤية المستقبلية ..!!
الحلقة (٥)
.. تصاعدت الخلافات التي صاحبت ازمة خلل نشاة الاحزاب السودانية وارتباطها بالاخر وانعدام الهوية التي تعبر عن رؤاها المستقبلية فظلت تلازمها تلك الحالة بعد الاستقلال بل ازدادت سوءا على ماكانت عليه من خلافات وكيد سياسي وعدم اتفاق على الثوابت الوطنية وبمجرد تعلان نتائج اول انتخابات برلمانية تجرى بالسودان في الفترة الانتقالية من مرحلة الحكم الذاتي في ١٣ ديسمبر ١٩٥٣م وقد حصل فيها الحزب الوطني الاتحادي على ٥١ مقعدا وحزب الامة على ٢٢ مقعدا بينما حاز الحزب الجمهوري الاشتراكي على ٣ مقاعد والاحزاب الجنوبية على ١٢ مقعد والجبهة المعادية للاستعمار “الحزب الشيوعي” مقعد واحد والمستقلون على ٨ مقاعد وانعقد اول اجتماع للبرلمان في اليوم الاول من يناير ١٩٥٤م وشكل اسماعيل الأزهري حكومته ..
.. لم يهدا لحزب الامة وانصار المهدي بال حيث لا يخفى عليهم الدعم المصري لتحالف الاحزاب الاتحادية مما اثار ذلك حفيظتهم ودعوا الى مظاهرات عارمة عند زيارة محمد نجيب للسودان والتي عرفت انذاك باحداث مارس حيث رفع الانصار شعار “لا مصري ولا بريطاني السودان للسوداني” ووقع عدد من الضحايا في تلك التظاهرات التي عمت الخرطوم وام درمان ووضع على اثرها الامام عبدالرحمن المهدي في الإقامة الجبرية ..
.. في ظل تلك المشاحنات الحزبية والكيد السياسي بين طائفة الانصار والختمية اللذان اصبحا يديران العملية السياسية عبر حزبيهما ويسيطران على جماهير الحزبين بلغة الاشارة اذ لم يرى الناس اختراع جهاز “الريموت كنترول” في ذلك الوقت من الزمان ..
.. في تلك الاجواء المقيتة بسبب تقاطعات المصالح الحزبية اعلن من داخل البرلمان استقلال جمهورية السودان كدولة مستقلة في ١٩ ديسمبر ١٩٥٥م وانزل العلمان البريطاني والمصري من على سارية القصر الجمهوري في الاول من يناير ١٩٥٦م ..
.. بدات مرحلة جديدة من مراحل صراع الاحزاب السياسية حول السلطة في السودان وجاءت الحكومة الحزبية الاولى عقب الاستقلال وكانت امتدادا شرعيا لانتخابات العام ١٩٥٣م التي مهدت لاستقلال السودان من داخل البرلمان في نهاية العام ١٩٥٥م وعندها بدا الصراع حول السلطة مرة اخرى وكان السبب واحداً .. فالاحزاب التي تحالفت برؤية تحقيق الهدف المرحلي رغم تباين توجهاتها من اجل الاستقلال وجدت نفسها فور تحقيقه من دون اي رؤية مستقبلية محددة فصارت تتصارع في محاولة تلبية احتياجات البلد حديث العهد بالحرية من نير الاستعمار ..
.. تميزت فترة البرلمان الاول في ١٩٥٤م بالصراعات المستمرة بين الاحزاب الحاكمة والمعارضة حول اسلوب الحكم فتمت تحالفات وتحالفات مضادة لاشباع شهوة السلطة وهز ذلك الاضطراب التجربة البرلمانية هزة قوية وعنيفة حتى بدات بعض قطاعات الشعب ترى التجربة مجرد فوضى سياسية بل اخذت تداعب بعضها فكرة الانقلاب العسكري باعتباره اقصر الطرق للاستقرار السياسي ..
.. صار التناحر الحزبي دليلا قاطعا على عدم الاستقرار السياسي فتنامت الخلافات الحزبية على حساب بناء اساس سليم ومتين للدولة الناشئة ..
.. تكونت في فترة الحكم الوطني البرلماني الاول “خمس” حكومات كان أطولها عمراً الحكومة الرابعة التي استمرت عشرين شهرا واقصرها عمرا الحكومة الثانية التي لم يتجاوز عمرها ثلاثة اشهر ..
.. لقد ادرك اسماعيل الازهري منذ الوهلة الاولى عدم تمكنه من تشكيل حكومة منفردة من الحزب الوطني الاتحادي الحائز على اكثرية مقاعد البرلمان وانه اذا ما قام بذلك لن تتاح لها فرصة الاستمرار حتى نهاية دورة البرلمان في نهاية عام ١٩٥٦م فخلال شهر واحد من الاستقلال شكل الازهري حكومة تحالف ائتلافي مع حزب الأمة .. ثم تبع ذلك تطور مثير جدا جمع النقيضين على طرف واحد ف”المصائب يجمعن المصابين” اذ كان رئيس الوزراء “الازهري” يجيز نظاماً “علمانياً” للدولة لكن السيد علي الميرغني لم يوافق على ذلك مما ادى الى تقارب الزعيمين الميرغني والمهدي وبذلا ضغطا مشتركا عليه ..
.. بدا الازهري اكثر ميلا للاستقرار والهدوء بعد تشكيل حزب الشعب الديمقراطي في يونيو ١٩٥٦م وخلال بضعة اسابيع سحب السيد علي الميرغني تاييده للازهري واستقال عدة وزراء يتبعون له فسقطت وزارة التحالف الحزبي الاولى .. وكانت تلك لحظة نجاح سارة للسيد عبدالرحمن اذ اصبح عبدالله بك خليل رئيس وزارة لحكومة تحالف ائتلافي مكون من حزب الامة وحزب الشعب الديمقراطي ..
.. مما سبق يتضح أن صراع الاحزاب السياسية لحظة ميلاد ونشأة الدولة المستقلة حديثا حول السلطة وارتباط رؤاها بخارج حدود الوطن “مصر وبريطانيا” كان قاصمة الظهر التي ادت الى ضعف الممارسة السياسية مستقبلا .. فبعد خروج المستعمر ب”الباب” عاد لممارسة الكيد السياسي في البلاد ب”الشباك” عبر الاحزاب السياسية لتنفيذ استراتيجيته في البقاء الى الابد مما اقعد الحكومة الحزبية الاولى المتحالفة ائتلافيا عن اداء الدور المناط بها وقادها الى حدوث فوضى سياسية وفساد اداري في اجهزة الدولة ومرافقها العامة فظهر للوهلة الاولى الاستقطاب السياسي الحاد داخل مؤسسات الخدمة المدنية والقوات المسلحة ..
.. شهدت الاعوام الاولى اقصى درجات التجنيد السياسي داخل تلك المؤسسات ممهدة بذلك الطريق لانقلاب السابع عشر من نوفمبر ١٩٥٨م بدعوة خاصة قدمت في طبق من ذهب للجنرال “عبود” بنظام “علي وعلى اعدائي” وباتفاق غير معلن سلم “الاميرلاي” العميد/ عبدالله بك خليل السلطة الى القوات المسلحة وكان بذلك بداية الحلقة “الجهنمية” وسقوط الاحزاب السودانية في ادارة شؤون الدولة منفردة او داخل تحالف مرحلي فضفاض ..
التعليقات مغلقة.