التحالفات السياسيةالسودانية:
وحدة الهدف المرحلي وغياب الرؤية المستقبلية ..! -الحلقة (٤)
.. لجوء الاحزاب السياسية في السودان لعقد التحالفات المرحلية وائتلافات الحكم لم تكن الا نتاج للضعف والهشاشة في اسس التكوين الحزبي وتسجيل الاحزاب على نظام القوائم المنزلية والصالونية والاسر والاصهار والجيران والاصدقاء ورفقاء الدراسة اذ ظلت منذ بواكير استقلال السودان تلك الطريقة التي يتم بها تسجيل الاحزاب .. وتاثرت بضعف القوانين المنظمة لتسجيل الاحزاب والانتخابات .. تعاقبت عدد من الحكومات المدنية التي حملت على نظام “الديمقراطية” عبر الانتخاب الحر المباشر اذ نصت اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان في ١٢ فبراير ١٩٥٣م على منح السودانيين الحق في تقرير مصيرهم للاستقلال من استعمار دولتي الحكم الثنائي على ان يسبق تقرير المصير فترة انتقال كاول “فترة انتقالية” تمر على مسيرة التاريخ السياسي في البلاد على ان لا تتعدى “ثلاثة أعوام” يمارس فيها السودانيين الحكم الذاتي الكامل لتصفية الادارة الثنائية ..
خلال تلك الفترة الانتقالية سيطر على الساحة السياسية السودانية حلفان: الاول استقلالي ويدعو لاستقلال السودان التام .. والثاني اتحادي يدعو الى الاتحاد مع مصر وسبب ذلك الامر بذرة شقاق واختلاف ادت الى صراع تلك الاحزاب فيما بينها منذ وقت مبكر من استقلال السودان ويمكن رصد تلك الأحزاب وتباين رؤاها في الآتي:
.. حزب الأمة أُسس في فبراير ١٩٤٥م وهو اكبر الاحزاب المنادية باستقلال السودان ويتشكل الحزب من طائفة الانصار “اتباع الامام المهدي” وزعماء العشائر ونفر من الخريجين الذين توافقت مبادئهم من رؤية الحزب بالاستقلال التام للسودان على اساس مبدأ (السودان للسودانيين) مع الاحتفاظ بعلاقة طيبة مع دولتي الاستعمار (بريطانيا ومصر) وقد تميز الحزب بعلاقاته المتميزة مع “الإدارة البريطانية” “بذرة الارتباط بالاخر” ..
.. اما الحزب الجمهوري فقد انشأ في نوفمبر ١٩٤٥م بواسطة محمود محمد طه وآخرون حيث دعا الحزب إلى ٦ نقاط كان اهمها قيام حكومة سودانية جمهورية ديمقراطية حرة مع المحافظة على السودان بكل حدوده الجغرافية التي كانت قائمة آنذاك “الارباط بالاخر” “الحركة الصوفية” ..
.. وفي ديسمبر ١٩٥١م اعلن عن قيام حزب جمهوري اشتراكي وجاء في البند الثاني من دستوره ان اغراض الحزب هي استقلال السودان التام بحدوده الجغرافية وقيام جمهورية اشتراكية مستقلة ..
.. اما تحالف الاحزاب الاتحادية فهو مجموعة احزاب كانت تدعو للاتحاد مع مصر “الارتباط بالاخر” .. عند توقيع اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان وتضم تلك الاحزاب “حزب الاشقاء جناح الازهري وحزب الاشقاء جناح نور الدين وحزب الاتحاديين وحزب وحدة وادي النيل وحزب الجبهة الوطنية وحزب الأحرار الاتحاديين” وقد توحد ذلك التحالف في حزب واحد باسم الحزب الوطني الاتحادي نتيجة وساطة قادها الرئيس المصري آنذاك محمد نجيب في فبراير ١٩٥٣م وذلك ضمن مساعي ثورة ٢٣ يوليو المصرية حيث كانت تعتقد ان هذا التوحيد سيحسم معركة تقرير المصير لصالح خيار إرتباط السودان بمصر .. لا عجب ان تفكك الحزب الوطني الاتحادي بدا بخروج الجبهة الوطنية من الحزب وبدا اختلاف الاحزاب الاتحادية يتزايد ولم يقتصر على نوع الاتحاد مع مصر بل تعداه الى صدق التوجه الاتحادي فبالنسبة لحزب وحدة وادي النيل كان الاتحاد مع مصر “عقيدة” سياسية واما حزب الاكثرية الجماهيرية هو حزب الاشقاء جناح الازهري فقد كان الاتحاد مع مصر مجرد اداة للتخلص مع الحكم البريطاني .. وبذلك فقد الحزب الوطني الاتحادي ثلاثة من مكوناته عندما تحول من مبدا الاتحاد مع مصر الى الاستقلال التام والمكونات الثلاث هي حزب وحدة وادي النيل، وحزب الأشقاء جناح نور الدين، وحزب الأحرار الاتحاديين ومثل ذلك الانشقاق اللبنه الاولى لانهيار اي تحالفات في الساحة السياسية السودانية ..
.. وتجئ الاحزاب العقائدية لتدخل معترك الحياة الحزبية وقد مثلتها بقوة الحركة السودانية للتحرر الوطني “الحزب الشيوعي فيما بعد” “الارتباط بالاخر” وتبنت شعار الحركة المصرية للتحرر الوطني الراعي للكفاح المشترك للشعبين المصري والسوداني وحق الشعب السوداني في تقرير مصيره وقد وصف “عبدالخالق محجوب” شعار وحدة وادي النيل بأنه تعبير عن العجز السياسي والاقتصادي للطبقة الوسطى السودانية أكثر منه تعبيراً عن رغبة الجماهير في التحرر من عنف الاستعمار ..
.. اما النقيض للحزب الشيوعي اليساري كان جماعة الاخوان المسلمون التي رفضت دعوة الاتحاد مع مصر لانها قامت على العاطفة الجامحة ولم تكتمل لها عوامل النضج ولان الارتباط مع مصر يعني الارتباط بالحكم العسكري الذي حدد موقفه من الصراع العالمي ووقف بجانب الغرب ..
.. اما النقابات والتنظيمات المهنية التي ظهرت في ممارسة الحياة السياسية كجسم جديد غير الأحزاب السياسية فبرز العمل النقابي العمالي حيث كان أقوى الاتحادات النقابية العمالية هو اتحاد نقابات عمال السكة حديد والذي كان افراده في مركز حيوي شديد الاهمية بحكم ان نظام السكة حديد كان ضروريا لاستمرار حياة البلاد وقد كانت تلك النقابات بطبيعتها الوطنية معادية للنفوذ البريطاني بالسودان .. وقد إستعملت سلاح الإضراب عن العمل ومثل ذلك التنظيم النقابي اكبر سياسة عدائية للاستعمار واعتبره البريطانيون تنظيم متطرف يتزعمه قادة اليسار الشيوعي ونظموا عدداً من الإضرابات التي أدت إلى شلل العمل وأوصلت السودان إلى حالة من شبه التأزم الاقتصادي ..
في خضم تلك التباينات في الرؤى نشأت الصراعات السياسية بين الاحزاب السودانية الناشئة وتحالفاتها الهشة وخاصة بين الحزبين الكبيرين “الأمة ، الوطني الاتحادي” .. وفيما بدا ان الاحزاب الاتحادية تتلقى الدعم من “مصر” ويتولى “البريطانيون” دعم زعيم حزب الامة عبدالرحمن المهدي وظهرت خلافاتهما في نتائج التصويت للاستقلال مقابل الوحدة مع مصر بفارق ضئيل جدا وقد استطاع الحاكم العام ان يتجنب اتخاذ اجراء حاسم لصالح حركة الاستقلال متذرعا بالفارق القليل في عدد الاصوات بين الرغبتين .. ذلك ان عدم الحسم في التصويت كان اشارة واضحة وحقيقية انه لا احد في السودان انذاك ولا في العقود الستة التي تلتها سوف يتمتع بمركز الاغلبية الانتخابية المطلقة في البلاد الا عن طريق عقد “التحالفات” المرحلية والتكتيكية قبل خوض الانتخابات واثناء فترات الحكم ..
ماساة الاحزاب السودانية التي ظلت تعاني منها تمثلت في خلل النشأة والارتباط بالاخر دون تحديد هوية سودانية خالصة تعبر بها عن رؤاها المستقبلية ..
التعليقات مغلقة.