يوسف موسى _ يكتب : محافظ مشروع الجزيرة طالع غب السوق

طالع غب السوق.. مثل سوداني يُضرب على الشخص الذي لديه خلل في التوقيت، على أن يكون السوق يوم الاثنين، فيذهب إليه يوم الثلاثاء.

ليس جديداً على إدارة مشروع الجزيرة أن تدعو إلى الملتقيات والمنتديات والاحتفاليات، حتى أصبح المشهد يتكرر بصورة تدعو إلى التساؤل أكثر مما تبعث على التفاؤل. نقول “احتفاليات” لأن مخرجاتها وتوصياتها لم يرَ المزارعون منها أثراً على أرض الواقع، وكأن الغاية منها صناعة مشهد إعلامي أكثر من صناعة حلول حقيقية. ففي كل مرة تُرفع الشعارات، وتُلقى الخطب عن القانون وهيبة الدولة والإصلاح، ثم تنفض القاعات ليبقى المشروع على أزماته نفسها، بل وتتفاقم عاماً بعد عام. وملتقى القرشي يوم 24 يونيو 2026م واحد من تلك الملتقيات الاحتفالية.

ويبدو أن هذه الأنشطة لم تعد سوى وسيلة للتشويش على المزارعين وصرف أنظارهم عن جوهر الأزمة، فالإدارة التي عجزت عن توفير التمويل، والتقاوي المحسنة، ومدخلات الإنتاج، والإرشاد الزراعي، ووقاية النباتات، ومكافحة الآفات، تحاول أن تجعل النقاش يدور حول قضايا جانبية، بينما الموسم الزراعي يقف على حافة الفشل. والأدهى من ذلك أن تضم إلى هذا المشهد إدارة الري، التي كانت تتبع لجهة متخصصة تمتلك الخبرة والآليات والكادر الفني، لتصبح هي الأخرى جزءاً من دائرة العجز والتبرير.

ويكفي النظر إلى طبيعة المشاركين في هذا الملتقى ليتضح أنه أقرب إلى احتفال رسمي منه إلى ورشة عمل لمعالجة قضايا الإنتاج الزراعي. فما علاقة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والنيابة، والقضاء، والمقاومة الشعبية، والسلطة الولائية، بمشكلات التمويل، أو تطهير الترع، أو تجهيز أبو عشرينات، أو الإرشاد الزراعي، أو التقاوي؟ وهل أصبحت أزمة مشروع الجزيرة تُحل بالحشود والخطب، أم بالآليات والخطط والتنفيذ؟

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس عن عدد الملتقيات التي تُقام، وإنما عن توقيتها وجدواها. فما قيمة الحديث عن إزالة التعديات، وتسجيل الحواشات، وتفعيل القانون، وقد فاتت مواعيد زراعة محاصيل رئيسية كالفول السوداني والقطن، بينما الترع لا تزال تنتظر التطهير، وأبو عشرينات لم تُحرث، والتحضير للموسم يكاد يكون صفراً؟ هنا يتجسد المثل السوداني الذي ينطبق على حال الإدارة: “طالع غب السوق”، يأتي بعد فوات الأوان، ويبحث في قضايا كان ينبغي حسمها قبل أن يبدأ الموسم، لا بعد أن تضيع فرصه.

لقد ظل المحافظ يتحدث في كل مناسبة عن القانون، لكن هذا الحديث ينتهي بانتهاء الاحتفال، بينما تبقى القنوات على حالها، وأبو عشرينات تنتظر الحرث، والكراكات تفتح أفواه القنوات ثم ترحل، في عمل أقرب إلى الاستعراض منه إلى الإنجاز. والنتيجة أن المزارع لا يرى أثراً لما يسمع، وإنما يرى موسماً يضيع أمام عينيه.

إن مشروع الجزيرة لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الملتقيات والاحتفاليات، وإنما يحتاج إلى إدارة تعمل في الميدان، وبخطة واضحة، ومحاسبة، وتنفيذ. فالقانون لا يفرض هيبته بالخطب، وإنما بتفعيل مؤسسات المشروع، وإعادة الاعتبار للمفتش الزراعي، وتوفير الإمكانات، والقيام بأعمال الصيف في مواعيدها، حتى يدخل المزارع الموسم وهو مطمئن، لا وهو يطارد الزمن.

وفي الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن أمن الجزيرة وحقوقها، نقول إن الأمن الحقيقي يبدأ من معاش الناس. فإذا لم يجد المزارع التمويل، ولم تُطهر القنوات، ولم تتوفر المدخلات، ولم ينجح الموسم الزراعي وينتج المزارع، فلن يكون هناك أمن اقتصادي ولا استقرار اجتماعي. فالجائع لا تصنع له الخطب أمناً، ولا يمكن أن يكون جزءاً من منظومة يُرجى منها تطوير الجزيرة، والمزارع الذي لا ينتج لا يمكن أن يكون سنداً للاستقرار.

ومن هنا فإن المناشدة لكل أهل الجزيرة، بكل كياناتهم الأهلية، ومؤسسات المجتمع المدني، والجمعيات النوعية، والروابط، والقيادات المجتمعية، والحادبين على حقوقها، أن يجعلوا من إصلاح إدارة مشروع الجزيرة قضية الجميع. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإصلاح الإدارة قبل إصلاح الأرض، وببناء مؤسسات قوية، لا صناعة شخصيات إعلامية لا يساندها واقع.

يوسف موسى أحمد
مزارع بمكتب النويلا
الأمين العام لكيان الخوالدة

التعليقات مغلقة.