يبدو أن تطوير مشروع الجزيرة لم يعد يمثل أولوية حقيقية لدى حكومة الأمل، والدليل الأبرز على ذلك ترك المشروع رهينة لصراع إداري بين وكالة الري وإدارة المشروع، أو بالأحرى بين وكالة الري ومحافظ المشروع. وانتهى هذا الصراع بانتصار المحافظ بعد الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء، التي صدر خلالها قرار بتبعية إدارة الري للمحافظ.
ولأن إدارة الري أصبحت جهة ضعيفة بلا سند سياسي أو إداري، فقد تحولت إلى لقمة سائغة، وأصبح نقل مسؤولية الري إلى إدارة المشروع أمراً واقعاً. غير أن ما جرى قد يكون مكسباً إدارياً للمحافظ، لكنه يمثل مصدر قلق حقيقي لمزارعي المشروع الذين ينتظرون حلولاً لأزماتهم المتراكمة.
ومنذ تولي السيد إبراهيم مصطفى إدارة المشروع، أصبح واضحاً أن الأداء يعتمد بدرجة كبيرة على الحملات الإعلامية والاحتفالات وبرامج العلاقات العامة. وهذه ليست ظاهرة مرتبطة بالموسم الحالي فحسب، بل تحولت إلى نهج متكرر مع بداية كل موسم زراعي، حيث يتم التركيز على التصريحات والوعود أكثر من التركيز على معالجة المشكلات الأساسية.
ونحن الذين عاصرنا إدارة المشروع منذ سبعينيات القرن الماضي، وندرك جيداً ما يجب أن يُنجز قبل انطلاق أي موسم زراعي، نستغرب أن يدخل الموسم الزراعي في ظل غياب الاستعدادات المطلوبة للري، بينما ينشغل المحافظ بتقديم وعود لا تفيد المزارع، بل ربما تضره. فالمزارع الذي يكابد لتوفير مدخلاته الزراعية قد يركن إلى تلك التصريحات المتفائلة ويؤجل اتخاذ قراراته، ليجد نفسه لاحقاً أمام واقع مختلف.
فليعلم السيد المحافظ أن نجاح الموسم الزراعي يبدأ من برنامج الري. وإذا لم يُنفذ هذا البرنامج بدقة، فلن يكون هناك موسم ناجح ولا إنتاج مجزٍ. ففي السابق كانت هناك خطة واضحة تُعرف بـ”أعمال الصيف”، تبدأ اجتماعاتها منذ شهري مارس أو أبريل مع شركات الحفريات، لتأهيل القنوات والمصارف، وصيانة الأبواب ومواسير أبو عشرينات، تحت إشراف إدارات فنية متخصصة بوكالة الري. وبعد التأكد من إنجاز أكثر من 90% من هذه الأعمال، يتم فتح المياه وبدء الموسم.
أما أن تُفتح المياه بينما أعمال التأهيل والصيانة لم تُنجز بالشكل المطلوب، فذلك ينذر بكارثة حقيقية قد يدفع ثمنها المزارعون وحدهم.
ولا تقل الإخفاقات في الجوانب الزراعية الأخرى خطورة، لكن الحديث عنها يحتاج إلى مساحة منفصلة.
إن إدارة مشروع الجزيرة لا تُقاس بحجم التغطية الإعلامية، ولا بعدد الورش والندوات والتصريحات والمنشورات، وإنما تُقاس بما يتحقق على أرض الواقع من إنتاجية أعلى، وتمويل أفضل، ومدخلات متوفرة، وخدمات أكثر كفاءة للمزارعين. وكان الأولى أن تكون الزيارات الميدانية مناسبة لعرض الإنجازات الفعلية، لا للترويج لخطط وآمال لم تتحول بعد إلى واقع.
فالإعلام ليس بديلاً عن الإنجاز، بل وسيلة لإبراز الإنجاز بعد تحققه. وعلى المحافظ أن يدرك أن المزارعين لا تعنيهم كثافة التغطية الإعلامية بقدر ما تعنيهم المياه التي تصل إلى حقولهم، والقنوات التي تُطهر، والكباري التي تُصان، والإنتاج الذي يتحقق.
نتمنى أن تركز إدارة المشروع على تحقيق أهدافها الأساسية، وخدمة المزارعين، ورفع الكفاءة الإنتاجية، وأن يُوجَّه ما يُصرف على حملات الترويج والعلاقات العامة إلى أعمال الصيانة والتأهيل التي يحتاجها المشروع بصورة عاجلة.
وللحديث بقية.
يوسف موسى أحمد
مزارع – قسم وادي شعير، مكتب النويلا
الأمين العام لكيان الخوالدة
تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
التعليقات مغلقة.