نقطة إرتكاز
مرتضى ميرغني
حديث الذات … حين يصحو القلب
في أعماق كل إنسان مهما بدا صاخبا أو منغمسا في الحياة يقبع صوت خافت لا يرى ولا يلمس لكنه يشعر به كنبضة صافية في قلب متعب .
ذلك الصوت هو الضمير الحارس الصامت الذي لا ينام والمرآة التي لا تكذب مهما حاولنا تلميع وجوهنا أمام الناس ..
الضمير هو ذلك النور الذي يرافقنا منذ الميلاد لا يخضع لقانون ولا يُقاس بمقياس دنيوي لأنه قانون الروح قبل أن يكون حكما للعقل .
هو همس يأتي في لحظة ضعف ليذكرنا أننا خُلقنا للحق لا للهوى وللعدل لا للانحياز وللإنسانية لا للأنانية
غير أن هذا الصوت رغم صفائه كثيرا ما يُغمر في ضجيج العالم فكم من مرة سمعناه ينهانا عن فعل ثم خنقناه بالمبررات وكم من مرة حاول أن يوقظنا من غفلة فأسكتناه بحجة أن الواقع أقوى أو أن الزمن تغيّر وهكذا شيئا فشيئا يتحول الصمت إلى عادة والعادة إلى جمود يقتل فينا أجمل ما في الإنسان ، إحساسه بالآخرين ..
الضمير لا يرفع صوته لكنه لا يتوقف عن المحاكمة ، يُلاحقنا في وحدتنا يعاتبنا في صمت عميق يجعلنا نعيد التفكير في كلمات قلناها أو مواقف سكتنا عنها. لا يُعاقبنا بعقوبة مادية لكنه يُربك نومنا ويشوش طمأنينتنا حتى نعترف ..
هو قاض لا يخضع لقوة ولا لسلطة لأنه يقيم العدل في محكمة النفس قبل أن تُقام المحاكم في الأرض.
وقد قيل إن الضمير هو عين الله في الإنسان لا تغفل ولا تنام تراقبنا حين نظن أن لا أحد يرى، وتذكرنا بأن الحق لا يحتاج إلى جمهور ليكون حقا ..
في زمن امتلأ بالتبرير صار من السهل على الناس أن يطفئوا ضمائرهم ليعيشوا بسلام مع أخطائهم يسرق أحدهم ويقول الكل يفعل ، يخون آخر ويقول هي ظروف ، يظلم ثالث ويقول الحق نسبي هكذا تُخدَّر الضمائر بأعذار منمقة تخفي خوفا من مواجهة الحقيقة ..
لكن الضمير ، وإن خمد لا يموت ، يظل هناك في عمق القلب ينتظر لحظة صدق واحدة ليعود فيها إلى الحياة . كلمة اعتذار أو دمعة ندم قد تكفي لإحياء ما ظنناه مات فينا .
فالضمير ليس صوتا للوم فقط، بل هو أيضا نداء للعودة إلى النقاء ..
الأمم لا تنهض بالقوانين وحدها بل بضمائر من يطبقونها . فما فائدة دستور عظيم إذا كان القائم عليه بلا ضمير ؟ وما جدوى الحرية إن لم تُضبط بالمسؤولية؟
إن الضمير هو الميزان الذي يضبط علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين . هو ما يجعلنا نمد يدنا لمساعدة محتاج دون أن يرانا أحد وما يجعلنا نخجل من أذى تسببنا فيه حتى لو لم يحاسبنا أحد هو الدليل الصامت على أن الخير لا يحتاج إلى شهود ليكون حقيقيا ..
الضمير هو آخر ما يبقى حين تسقط الأقنعة وآخر ما يُنقذنا من التيه حين تضيع البوصلة . هو الرفيق الذي لا يغادرنا حتى وإن أنكرناه ، والصوت الذي لا يخفت إلا ليعود أقوى في لحظة الصدق مع الذات .
فلنحافظ على ضمائرنا حية لأنها النبض الأخير للإنسانية في عالم يزداد ضجيجا وبرودا و قبحا وإذا كان لكل إنسان بيت يسكنه وجسد يحمله فإن ضميره هو بيته الحقيقي. من هَدَم ضميره عاش غريبا عن نفسه مهما ازدحمت حوله الأضواء ..
التعليقات مغلقة.