السفير محجوب عثمان يرثى غلام الدين عثمان بكلمات مؤثرة

بسم الله الرحمن الرحيم

غلام الدين عثمان

الرحيل عند الفجر

اللحظات الحلوة والايام الجميلة تظل مخبأة داخل الوجدان وان تطاولت عليها الليالى وأحاط بها الزمن ، وان تناوشتها عاديات الايام .
كانت نيفاشا تضع اوزارها ومصفوفتها يبدأ تنفيذ بنودها . حكومات جديدة فى المركز والولايات يعلن عنها . ولاة جدد يتم انتخابهم .

كان صباحا باكرا حين جاء غلام الدين عثمان الدامر ليبدأ تكليفه واليا لنهر النيل ، والناس تنادوا من كل أركان الولاية وتحلقوا حول موكبه فى فرح وحبور ، وكأنه غادر أمس وعاد اليوم .

عملت معه وزيرا للشئون الاجتماعية ثم للثقافة والاعلام والسياحة واذكر بعد مقدمه بأسبوع او أقل وكنا على مشارف شهر رمضان الكريم ، قال لى انه يريد أن يجهز ثلاثة الاف من أكياس رمضان لتوزيعها على بعض الأسر الفقيرة . قلت له ان ديوان الزكاة اعد العدة لذلك ولكنه فاجأني انه سيدفع التكلفة ورجانى ان لا أبوح بذلك لأحد . قلت له ان المبلغ سيكون كبيرا جدا ، ولكنه أصر على ذلك وقام بالتنفيذ .
وفيما بعد علمت منه ان الغرفة التجارية ورجال الأعمال والمال فى ولاية كردفان ومدينة الابيض كرموه بحفل بهيج واهدوه شيك بمبلغ جمعوه ، وهو المال الذى صرفه على أكياس رمضان ولم يستبقى منه جنيها واحدا . قلت له ان المبلغ ملكه ملكه ولكنه اجابنى بابتسامة وغير مجرى الحديث.

كان ذلك غلام الدين الذى رحل عن دنيانا فجر اليوم .
رجل صاحب عقل راجح وروح سمحة . يلقاك فى بشاشة وحب . تراه يعمل بلا كلل ولا ملل ، غير ملتزم بساعات دوام ، ولم اعرف أحدا يصغى لمحدثه كله انتباها متصلا غير منقطع مثل ما يفعل غلام الدين . كان يطوف الولاية من ادناها إلى أقصاها ، تتحلق حوله المشكلات . بعضها يعكف عليه فى موقعه ، ويجد لها حلولا يستنبطها بعلمه وتجاربه وسعة أفقه ، وبعضها يحملها معه ، وسرعان ما تغدو منالا سهلا وقد نظرها واوجد لها ما هو مطلوب .
كان بحكم انه الوالى ، رئيسا للمؤتمر الوطنى بالولاية وكانت ضمن طاقم حكومته ، أحزاب مشاركة بعد توقيع اتفاق نيفاشا . ابتكر غلام الدين فكرة المجلس الاستشاري للعلاقات السياسية . عضويته من الأحزاب المشاركة في الحكومة ومن بينها الحركة الشعبية ، وللمجلس لائحة وتتم اجتماعاته كل أسبوع ويحضرها غلام الدين ويشارك فى مناقشاتها ووضع اجندتها . ومن خلال المجلس تتقدم الأحزاب بمخترحاتها وارائها فى مختلف شئون الولاية . ولعل الاخوة دكتور التهامى ودكتور الاموى والامير حسن كافوت والاخ محمد عبدالله عشرة والاخ الهادى محمد علي يذكرون تلك الأيام .

كان غلام الدين بحكم تدينه ، وربما عمله السابق كمصرفى ووكيل لوزارة المالية ثم وزيرا للمالية ، كان لا يقبل اى خرق او تهاون او غفلة فى المال العام واذكر حين سافر وفد وزارى من الولاية للامارات لمناقشة توسعة المشاريع الزراعية بالولاية ، أهدتهم الإمارات سيارات (كامرى) لهم وسيارة كبيره للوالى . وما ان عادوا ووصلت السيارات ميناء بورتسودان ، وكانت المفاجأة أن امر غلام الدين وزارة المالية الولائية أستلام السيارات ووضع لوحات حكومة الولاية عليها وتوزيعها على الادارات والمحليات .

وحين غادر نهر النيل ، لم تنقطع صلتنا به بل كنا نزوره فى مكتبه بالشهر العقارى وكان رئيسا لمجلس ادارته حين تولى امر الإسكان بالحكومة الاتحادية .

رحم الله الدكتور غلام الدين عثمان . برحيله رحلت سجايا تشع بالخير وسنوات مشبعة بالحب والمودة والانجاز . نسأل الله أن يرحمه ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين والأبرار ويلهم أبناءه وزوجته وأسرته واهله ، فى القرير ودار مالى ونهر النيل وشمال كردفان ، واحبابه واصدقائه وعارفى فضله ، الصبر على رحيله. انا لله وانا اليه راجعون.

محجوب محمد عثمان.
القاهرة.
٨ سبتمبر ٢٠٢٥ .

التعليقات مغلقة.