الزبير سعيد يكتب ___ مصطفي سيداحمد _التاسيس لمفهوم انساني لكيمياء الانتماء للوطن

على ضفاف نهر المشروع الإبداعي الكبير للفنان مصطفى سيد احمد نحاول أن نقف على( امشاط الفكرة) التي ظلت ترفض الانكسار أمام كل عواصف الرجعية الفكرية التي خلقت حالة من انسداد الأفق الثقافي أنها محاولة لنفض الغبار عن الحروف (الحايمة في بطن الكتب) والتحريض على السير في درب طويل بحثا عن حقيقة أدركها الراحل مصطفى سيد احمد مبكرا ومفادها أن الانتماء للوطن هو الخيار الوحيد الذي لا بديل له وأنه اكبر من أي انتماء .
لقد أدرك الفنان مصطفى سيد احمد في فترة مبكرة من تاريخ تجربته الإبداعية القائمة على الالتزام الأخلاقي والإنساني
أدرك حقائق كبيرة في مقدمتها أن الفن ليس ترفا أو تزجية للوقت وليس مادة للترفيه تقدم في مجالس الانس ولحظات الهروب بارتداء أقنعة النفاق الاجتماعي لإرضاء نشوة التبرير الساذج لمازق الابتسار الذي ظلت تتعرض له الفنون الجادة في ظاهر وباطن العقل السياسي المترفع دون حيثيات منطقيةوالذي يريد للفنون أن تكون كجارية ترقص في بلاط السلطة وعلى إيقاع اشتر ليذهب بعدها السياسي المتغرطس لفراشه وهو معتدل المزاج …
مصطفى سيد احمد كان يدرك أنه مطالب بدعم فكرة بناء مشروع وعي جمالي يتسق مع حركة التطور الإنساني لمفهوم الانتماء للوطن و أهمية أن يكون الفنان الحقيقي في موقف إيجابي ويجاهر بما يؤمن به ولايتردد في إعلان موقفه الصريح من اي محاولة لتجسير الفنون واستغلالها لخدمة توجهات سياسية تقوم على الاستهبال الفكري والمراهنة على العاطفة الساذجة …
لقد أراد مصطفى سيد احمد تحريك ساكن النضال السلمي من خلال خطاب ابداعي مستنير يفتح أبواب ونوافذ التفكير الحر والنظر إلى الوطن من زاوية منفرجة لا تؤمن بالأطروحات السياسية التي ظلت تصادر حق المواطن في التفكير بحرية والانتصار لحقه الكامل في تحديد موقفه الشجاع و الحقيقي من قضايا الراهن ..
يختلف مشروع مصطفى سيد احمد في أنه جاء مزاوجا بكثير من الموضوعية بين الطرح العميق الذي يقرن بين الاستماع وفق تفكير عقلاني متقدم وبين الانجذاب العاطفي للفكرة دون الانقياد أو الانسياق وراء مخطط التربص بتلك الفكرة و التمهيد لاختطاف الوعي الجمالي الذي يضيء دهاليز الصراع الابدي بين( الخير والشر ) فتكون حتمية انتصار الحق وارتفاع قيمة ومضمون حوار الفكرة الذي يفتح فضاءات التعامل مع النص الإبداعي دون الارتهان لشروط لا تحترم واقعية التحول الكبير في التزامات المبدع تجاه وطنه وفكرته وشعبه.
كان الراحل مصطفى سيد احمد يدرك أنه يقدم غناءا يتحمل المسؤولية الأخلاقية لتقديم إجابات مقنعة للأجيال القادمة اي التي اكتمل وعيها بعد رحيله عن الدنيا …
ابتعد مصطفى سيد احمد عن الوطن بجسده ولكنه اقترب منه أكثر بعقله وقلبه و وجدانه مؤسسا لمفهوم متقدم لكيمياء الحنين ومجيبا على الكثير من اسئلة الا معقول في زمن احتراق الآلسنة التي تنطق بالحق وتدافع عن الحقيقة…
لقد اجتهد الفنان مصطفى سيد احمد كثيرا حتى يرسم لنا صورة ذهنية جديدة لخارطة الوطن في بعده الإنساني و بتضاريسه الثقافية المعقدة وبعيدا عن ذلك المفهوم المكبل بجنازير الاعتقاد الجغرافي المحيض والمبتل بماء الولاء الجهوي والملطخ بطين العنصرية والساقط في بركة الاستعلاء الثقافي المريض.
وكلما كنت استمع الى عمل غنائي جديد لمصطفى كنت ازداد يقينا بأن ساعة رحيلة قد اقتربت فقد كان يدفع ثمن ذلك التميز من سنوات عمره الذي كان المرض قاسيا في أن يأخذ نصيبه منه بلا رحمة …
مصطفى سيد احمد نجح في تغيير مفهوم الحنين للوطن وكأنما كان يريد أن يقول بكل تهذيب أن الوطن احساس بالمسؤولية والتزام بقضايا الشعب وليس مجرد اهازيج سطحية وعبارات اعجاب جوفاء تموت فوق شفاه تيبست جراء الهتاف للباطل كما أنه ليس شعارات يرددها بعض الساسة الذين لم يكتمل نصاب وعيهم الإنساني ولم تتضح خارطة مفهومه الإدراكي…

التعليقات مغلقة.