الفنان خوجلي هاشم بصمة من شموخ الابداع..بقلم العميد د./ محمد حمزة حسب الباري

صوت قوى … بشموخ وعزة أتبرا …
ظهر في منتصف حقبة ثمانينيات القرن الماضي ، بلونية غنائية مختلفة ومتفردة ، الحان عذبة ، يصدح باداء متماسك وتناغم مع فرقة موسيقية يربط بينها الكثير من وشائج الصداقة والعلاقات الاجتماعية المتداخلة.
في بدايات تحليقه بعالم الفن تغني لكبار المطربين المتميزين في الساحة، غني يا قلب وبخاف … لابوعركي باحساس مرهف وتطريب متقدم ، تغني للقامة الراحل مصطفي سيد احمد وتاثر بمدرسته الفنية الباذخة كثيرا ، اشاد به الاستاذ محمد الامين وتوقع له كل المستقبل وهو يمثل جيل الشباب، ثم وجد الحفاوة والتشجيع من ابوعركي،
واشادة بعض النجوم أمثال الاستاذ المخضرم محمد نعيم سعد.
قبل أن يستفيق المجتمع الاتبراوي من دهشة ظهور وتفجر هذه الموهبة، وبعد اقل من عامين لظهوره بدأ يشق طريقه وينتج بغزارة أعماله الفنية الخاصة وتخلى تدريجياً عن ترديد اغاني الكبار، وقد يكون هذا من اسباب تاخر دخوله للاعلام (ظُلما) .
جاء وتقدم في ميقات الزمن المطلوب تماماً، تعودت عليه اذن المستمع باتبرا وبورتسودان وخلق أرضية شبابية قوية من الجمهور هناك وذلك بحسبان لونيته الجديدة في اختيار الكلمات ثم تعامله مع كبار شعراء الساحة… مدني النخلي ، قاسم ابوزيد وغيرهم ، ثم تفرد الالحان وخصوصية تعامله بحكم الصداقة مع توأم روحه الراحل عاكف حسن عدلان وموهبته الذاتية في التلحين.
خرجت اغنيات شامخات باسقات مثل
(الفات زمان)
تلقفها بل اهداها الاستاذ خوجلي هاشم في تجرد تام لصديقه العزيز الراحل محمود عبد العزيز (ايقونة الشباب المعاصر) ط، وأذكر أن الراحل محمود في حفل بدولة الامارات العربية المتحدة، طلب منه الجمهور ترديد أغنية الفات زمان ، فما كان منه الا ان رد (الاغنية صاحبها موجود بيننا).
اختط خوجلي لنفسه نهجاً واضحاً وتمثل قيم الفن السامية وأخلاقه النبيلة لم يجنح للعمل السياسي ولكن (تمت محاربته سياسيا) بشدة عندما لم تتوافق لونيته الغنائية وحضوره الشبابي المميز في الساحة مع الاهواء، حينما تغني برائعته الراكوبة برمزية وشعبية كلماتها التي عبرت آنذاك عن بناء الوحدة الوطنية وتلاحم الشمال والجنوب (الجريد والتك) وتناولت الكثير من المفردات الرمزية الضخمة … وإتمددت رقدت ، سرقوها … والغبش ذاتهم دقسوا وناموا رهقا مع انبلاج الفجر النبيل .

الراكوبة
كلمات القامة قاسم ابوزيد
ولدوها غنينا طبل الفرح دقينا
نفس الغبش عرضت سوولا راكوبة
من الجريد والتك واتمددت رقدت
من طينتم سووك غيمة مشاويرن
زغردنا يوم ولدوك هتفت نقاقيرن
مانحن كلنا فيك حلوه وسمح لونك
مانحن كلنا ليك فيك عشنا العذاب دونك
ماكنتي مرتاحه تسلم مداين القش
ماجمتك راحة ساسات قصورن هش
سرقوها في ليله بعد الغبش دقسو
قبال تشيل حيله والليل يخت نفسو
شالوها من حتة ودوها لى حتة
لافيها راكوبة لافيها عضة جوع
لا امه منكوبة
النوم جافاها شرد
وماا اتمددت رقدت

من خلال الانتاج الفني الغزير المستصحب بجودة الكلمات وجمال اللحن وطلاوة الاداء، تظل مفردة وقيمة الوطن ماثلة في كل الغناء الرمزى للقامة الثورية الاتبراوية خوجلي هاشم حتي في عمق الوان البنفسج وغزارة العاطفة يتجسد ويتوسد الوطن عله يستريح …

عشق البنفسج

كلمات الاستاذ/ عادل سعد يوسف
الحان الراحل / عاكف حسن عدلان

عتقني ياعشق البنفسج والغموض
خلي المناديل التنوح
تنسال علي كف المسافة وتندهش
خليني ابحث عن وطن
خليني جنبك استبيح حصن الكلام
واللهفه تسكن في اقاليم الشمس
تسقط رؤاك في عتمة الشوق
الصور
ترقص تحاور في فراشات المطر
واتصورك قطرة مسا
محمولة في حدق السحاب
مرتاحة في عصب الزمن
خليني ابحث عن وطن

في محطة أخري وبقمة العطاء هاجر استاذنا خوجلي هاشم في غربة طويلة خارج البلاد دفعت به بعيدا عن أجهزة الاعلام في غياب صحافة المواطن ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة آنذاك، وبلا شك فقد خصمت ضريبة الاغتراب الكثير من رصيد حضوره في الساحة الفنية وان كان مجتمع اتبرا ينتظر اجازاته الموسمية في شغف كبير، وكم زين بصوته الجميل الكثير من الافراح وختم عليها بانتاجه الخاص وهو يعتز بنفسه.
من الاغنيات الجميلة والخالدة في وجدان مجتمع أتبرا والتي دفع بها الاستاذ خوجلي هاشم في بدايات مسيرته الفنية رائعته بتاملك او كما يحلو لأهل عطبرة تسميتها (كرنفالات الفرح) أو الهنا وياخذنا من خلال اللحن بالفعل الي كرنفالات متدفقة من الفرح والتفاؤل .

بتأملك زي السحابة
تمرى تبخلي بالسلام
مشدوه أقيف في حضرتك
يا السمحة يغلبني الكلام
بتأملك
منك بترتحل المواسم
النائمة في حضن العبير
والليل يذوب في نور جبينك
يلفظ النفس الاخير
زى الصباحات تطرزى
وشك قمر شعرك حرير
والطلعة زى العيد تهل
كل القوافل ليك تسير
بتأملك
يا كرنفالات الهنا
الممدودة في عيون الزمن
نظرات عويناتك
تمائم تحمى من سحر الحزن
مشرورة فوق هدب الغيوم
مطليه بى فرح الوطن
كل الغناء الغنيتو فيك
ذوب جليد ليل الشجن
بتأملك
بتأملك زي روح طفل
بيتاتي فوق غيمة فرح
مرسومه في عينيك
صور ألوانها زي لون قوس قزح
تكشف شجوني مع هواك
آآآه سرى فيك كان انفضح
ضج الكلام جواي حبيس
مزماري في حبك صدح
بتــأمــلــك
بـتأملـك
بتأملك

ارتبط الشاعر الكبير الراحل محمد الحسن سالم حميد بمدينة اتبرا كثيرا في النشأة والتعليم والاهل والمجتمع ووقف على موهبة الفنان خوجلي هاشم فاهداه قصيدة (باسم السلام نبدأ) وقبل الشروع في تنفيذ العمل الفني توفي الراحل حميد لرحمة مولاه وبعدها سمع خوجلي الاغنية من خلال عدة أصوات أخري فآثر ان يترك الامر برمته لانه لا يحب أن يدخل بتجربته الفنية في عالم التكرار والاستنساخ ، وقبل سنوات غني للراحل حميد جزء من قصيدة النخلة ترباية البيوت تقع آ بتموت
تلقاها خشت في البيوت
بي كل صراح

في مسيرة الفنان خوجلي هاشم هناك الكثير من الاسئلة تكفي الاجابة عليها لتفسير الكثير، حول ابتعاده عن الاضواء الاعلامية النافذة … فهل كان تمسكه بالبقاء في أحضان أمه الرؤوم أتبرا قبل وبعد العودة من الاغتراب وتعلقه بها أرضاً وشعباً وبقاءه بها تأسياً بسيرة الراحل حسن خليفة الاتبراوي، جعلته يبتعد قسراً عن اجهزة الاعلام ، في حين أن الساحة الفنية تضج بالكثير من الغثاء الذي يتوسد ترديد وتشويه أغاني الكبار … أو أن الاجهزة الاعلامية نفسها تظل ابوابها موصدة في وجه من يشق طريقه ولا يردد اغاني الغير ، هل اكتفت الفضائيات برمزية عبارة (مشاركة الاداء) ؟
في الختام
هذه كلمات تكتب للاجيال … في سفر تاريخ الفنان خوجلي هاشم … هل ظلم نفسه أو ظلمه الاعلام المتمركز والمتمترس بالعاصمة دون غيرها ولا يخرج الا في المناسبات.
رغم كل هذا وذاك يظل الفنان خوجلي هاشم يمثل جيل الشباب وقد وضع بصمته بامتياز في خارطة الغناء السوداني الحديث ويظل محطة أتبراوية بجسارة سكك حديد السودان لا يمكن تجاوزها على مدي الايام.

التعليقات مغلقة.