الاسطورة محمود عبد العزيز (قراءة جمالية وأفادت للتاريخ )..”الحلقة الاولى “

يكتبها :الزبير سعيد
لا ادعي أن الذي كان يجمعني بالراحل محمود عبد العزيز (الحوت ) يرقى لأن يوصف (بالصداقة) ، ولكن كانت بيننا علاقة حميمة جدا، واحترام عميق …
وكل الذين عرفوا الراحل يشهدون بأنه كانت من الذين لا تملك إلا أن (ترتاح له ) لأنه كان مهذبا لدرجة بعيدة في تعامله مع الناس .
ومنذ أن التقيت بالحوت منتصف تسعينيات القرن الماضي بمكاتب شركة حصاد بالخرطوم والتي كانت ترتب لسفر الموسيقار الفاتح حسين والحوت إلى روسيا لإنتاج البوم (سكت الرباب ) و (خلي بالك )، كنت واثقا بأن هذا الشاب النحيل سيكون حديث الوسط الفني بما يمتلكه من صوت قوي ومؤثر ..
أذكر يومها أن الراحل محمود كان يرتدي (جلابية سمنية اللون ) …
ولقد لاحظت أن الراحل كان يتميز بالهدوء وحتى عندما يريد التأمين على حديث أحد الحضور كان يشير بحركة برأسه مصحوبة بابتسامة تشعرك بأن كل العالم يعيش بسلام .
لقاءات متباعدة ..
تواصلت بيننا اللقاءات ولكن بدون سابق ترتيب وللامانة اقول بأنني لم أجر أي حوار مع الحوت بالرغم من أن ذلك كان متاحا وكانت الصحف تبحث عن أي فرصة لمقابلة محمود عبد العزيز الذي لم يكن يحب الظهور في وسائل الإعلام المختلفة ..
ومن جانبي كنت أشعر بأن محمود عبد العزيز ليس بحاجة إلى (حوار صحفي) بقدر حاجته إلى موسيقي متخصص في فنون الأداء الغنائي حتى يمنح هذا الصوت الإضافة بعض الأسرار والمفاتيح ولقد كان الدكتور الفاتح حسين قد ظهر في الوقت المناسب .
تمرد جميل ..
أدركت من الوهلة الأولى أن الفنان محمود عبد العزيز يمتلك قدرة عالية على التمرد على كل أشكال الأداء الغنائي التي كانت سائدة ولقد ساعده على ذلك ثقته المطلقة في صوته وقدراته الفنية .
خطف الأضواء من الجميع
ظهور محمود عبد العزيز في الساحة الفنية كان قويا لقد نجح في سحب البساط من جميع الذين كانوا نجوما للشباك من المطربين الشباب ..
وكان من الطبيعي جدا أن يتعرض (الحوت ) إلى حرب كبيرة ولكنه لم ينكسر فقد ظل صامدا أمام رياح الحسد والغيرة وكل أشكال (الحفر والضرب في الظلام وتحت الحزام )..
أصدقاء الحوت ..
في أحد الأيام تشرفت بزيارة من مجموعة من الشباب وكان ذلك في العام 2002 وكنت يومها مسؤولا عن قسم المنوعات بصحيفة الخرطوم ..
استقبلت أولئك الشباب وكانوا جميعهم في العقد الثاني من العمر وقالوا لي بأنهم يريدون تأسيس مجموعة باسم اسماء محمود عبد العزيز وعندما أخبروه بذلك قال لهم (آمشوا لفلان وفلان ومن حسن حظي أنني كنت أحدهم )..
المهم قلت لهم (اذا كنتم تحبون محمود عبد العزيز بصدق فيجب أن تشكلوا جدارا سميكا لحمايته من كل أعداء النجاح وقلت لهم أن (الحوت ) الآن ليس بحاجة لمعجبين وإنما لمن يكونوا لهم بمثابة (أخوة أشقاء )..
بعدها شكروني وذهبوا ولم نتلق مرة أخرى. ..
الغناء مع الأوركسترا..
عندما لمع نجم الفنان محمود عبد العزيز كانت ظاهرة الغناء بمصاحبة آلة (الأورغ ) تسيطر على الساحة وكان هناك اعتقاد زائف طبعا بأن الفضل الجيد هو الذي يغني بمصاحبة الأورغ فقط ، ولكن كان لمحمود عبد العزيز رأي آخر، إذ ظل حريصا على أن تكون حفلاته الجماهيرية والخاصة بمصاحبة الفرقة الموسيقية (النورس والبعد الخامس ) وقبل ذلك فرقة مركز شباب بحري ..
وهنا أشير إلى أن محمود عبد العزيز لعب دورا مهما في حماية الغناء السوداني من عاصفة الأورغ وأكد للجميع بأن تقديم الأغنية بمصاحبة فرقة موسيقية كاملة هو الشكل الأمثل ولا شك أن تجربة محمود عبد العزيز فتحت المزيد من الآفاق أمام مجموعة من الموسيقيين الشباب الذين يعرفون على عدد من الآلات الموسيقية المختلفة فاكتسبوا ثقة كبيرة في قدراتهم وكانت فرصة جيدة لأولئك الشباب حتى يطوروا من إمكانياتهم خاصة وأنهم يعزفون مع مطرب جماهيري يعتمد في تجربته على اغنياته الخاصة …
أسماء جديدة …
تميزت تجربة الفنان محمود عبد العزيز بتقديم مجموعة من الشعراء والملحنيين الجدد الذين لم تعرفهم الساحة الفنية من قبل ولقد شكلوا إضافة حقيقية من خلال رؤاهم الجديدة وأفكارهم غير التقليدية والتي كان لها بالغ الأثر في تميز وتفرد تجربة الحوت …
وإذا تأملنا في كل التجارب الغنائية التي رسخت وأسست لمدارس غنائية كبيرة نجد أنها اعتمدت في الأشعار والالحان على أصوات جديدة لم تكن معروفة ولكنهم قدموا انفسهم بأعمالهم الإبداعية التي فرضت وجودها على الساحة …
(نواصل )..

التعليقات مغلقة.