مربي الورد

“الفتاة التي لا تجيد صنع المربى لا تحظى بزوج!!”

بقلم: د. فخرالدين عوض حسن

اغلب شعوب العالم تتناول المربي فى الافطار صباحا بصحبة الفطائر والكروسون، وغالبا تكون صنع البيت..وباشكال ونكهات مختلفة .. وليس “الفول” والعيون الفيها نعاس!

فى زيارتى لاحد الاصدقاء الاذريين، وبعد تناول غداء دسم، تم رص الفاكهة وانواع من المربي والعسل والحلويات ..

وبالطبع تجنبت السكريات وركزت على الكرز الاذربيجانى ” حب الملوك” كما يسميه المغاربة ..والمشمش العجيب كما يسميه صديقى الطيب..

ولكن مضيفى اصر على ان اتذوق مربي معينة، وفعلت ارضاءا له، وقبل ان تصل فمى، وجدت رائحتها تجذبنى، وتذوقت لحظتها اجمل مربى فى حياتى، وانتقل فكرى لحظتها الى منطقة الجريف، وانا استمع الى واحد من علماء وعباقرة النبات فى بلدى، الخبير الفذ بيومى محمد احمد، وهو يحكى لى عن نوع من المانجو انتجه فى جناين ابوالعلاء …وعن الازهار والنباتات كافة التفاصيل ..
فقلت لمضيفى انى اعرف هذه الرائحة جيدا وكانها blue moon او شبيهة لها ..واجاب بانها فعلا مربي مصنوعة من الورد …بعدها خرجنا الى حديقته الصغيرة نرى هذه الزهور التى تدخل فى صناعة الحلويات والمربي وابرزها ورد الجورى والسوسن والزينيا واللافندر والاخيرة ليس فقط فى الماكولات والمشروبات ولكنها الابرز فى مستحضرات التجميل والعطور ..

وطبعا انا زول معترف بان الماء والخضرة والوجه الحسن تجعلنى ارفع الراية البيضاء حتى عنان السماء..
ويوما قلت لصديقتى الحسناء المراكشية بان الصداع يكاد يفتك بي ..فضحكت واجابت بانها حالا سوف تاخذنى الى الطبيب..واشارت الى “طاكسى صغير” توقف امام منزلهم ..فاستغربت،
ودخلت ونادت على والدتها، والمغاربة فى الحنية – وانا اموت فى الحنية – شعب يشبه حبوباتنا وخالاتنا زمان حين يشمون ريحتنا وهن يرددن: احى احى ياوليد بطنى ..وكانهن صوفى ولهان يتعبد فى منتصف الليل.. وفى عوالم اخرى..وياليلى ليلك جن!!
واخبرت الجميلة مريم، والدتها بانى اعانى من الصداع، فاسرعت الام ووضعت راسى على حضنها وبدات تدلكه وتقرا شئ من القران ..وطلبت من مريم ان تاتيها بقطعة قماش وماء ورد ونعناع مراكشى منسم وشرائح ليمون ..

وصبت ماء ورد بارد على راسى المتعب ..فشعرت براحة تسرى فى جسدى، واخذت الشال الذى تلفه مريم حول عنقها فيزيدها حلاوة ونضارة ..وجعلته كالعمامة فى راسى ..وزادتنى رائحة مريم راحة وتملكنى سكرا ..واخذت اعواد النعناع تزرعها مابين راسى والعمامة وداخل اذنى ..ومابينهما تضع شرائح الليمون ..حتى خلدت الى نوم عميق وراسى فى ارجلها ..وتركتنى هكذا وقتا طويلا دون ان تتحرك ويدها على جبهتى ..وكانت غفوة ..كم لبثت لا ادرى!
ولكن فتحت عينى على ابتسامة حانية منها ..وامرت مريم ان تجهز لى الحمام والشاى ..
وسالتنى هل تحب اتاى مراكشى بالياسمين ام الشيبة ام النعناع ..فاجبتها: احبك انت يا امى ..فرايت دمعة حنان على مقلتيها…
واجابتنى: بعد الشاى المغربي سوف احضر لك بيدى شاى الحليب السودانى بالنعناع مع المسمن الذى تحبه..
والمسمن فطيرة مغربية رائعة الطعم تجدها فى مائدة افطار المغاربة مع العسل والزيتون وزيته ..

ولا يخلو بيت مغربي من الزعتر والزعيتر والسالمية ( المريمية) والخزامة وهى زهور اللافندر واللويزة وماء الزهر وهو يختلف عن ماء الورد وزيوت الارجان واللوز ..ونباتات واعشاب وازهار طبية لا حصر لها ..حتى بائع النعناع عندهم تحتار فى المعروض من نباتات فى دكانه الصغير!!

وهذا يقودنى الى سؤال طرحته على صديقتى الاعلامية الشهيرة فاطمة الزهراء وهى تسبح وكانها حورية البحر فى شواطئ اغادير: تبدين يا عزيزتى وكأنك شابة فى العشرين ..رغم انك اعلمتينى بانك ارضعت اطفالك طبيعيا حتى الثانية من عمرهم ..وانت تقتربين من الخمسين..

فاجابت: ياعزيزى وفخرنا ..كلما يزيد شيبك يطيب لسانك بالغزل واعلم بان تلك شهادة سوف اعتز بها ..وبعد غد انت معزوم عندى طنجية لحم فى ساحة الفنا ..وقبلها جولة فى سوق مراكش القديم.. لكى اطلعك على سر عن جمال بشرة المغربيات التى لاتشيخ ابدا !!
وكانى اسمع ود الامين لحظتها: اشوفك بكرة فى الموعد..
وفى الموعد كانت جولتنا فى ازقة المدينة القديمة ..فى المدينة الحمراء التى تحمل عبق التاريخ وترضعه طفلا ..وتيتمه عشقا فى الصبا والشباب..
فى ازقة مراكش القديمة تذكرت سوق الحميدية فى الشام ..حيث ان لكل مجموعة ازقة تخصصها ..حتى الزيتون ومنتجاته افردت له المدينة جناحا كاملا يحكى عنه قرأنا عجبا ..
وحتى طين البحر من نيلنا سليل الفراديس رايته هنالك ..وطين من بحر الاردن الميت!! ..وصابون طبيعى وخزامة هى اللافندر يتم وضعها فى لفافة فى ماء مغلى يخرج منه بخارا يماثل فعل “حفرة الدخان” عندنا، عبيقا واريجا وتماسكا للبشرة ….ونداء للقاء منتصف الليل!!

ازقة مراكش وعبيق اسواقها ..تجعلك تتوه فى صفحات التاريخ ..وخصوصا الماذن المطلية باللون الاحمر ..مربوعة القوام!!

ولا ادرى سر تسمية مراكش بالمدينة الحمراء ..ولا اظن ان السبب مجون ليالها ..ورائحة برتقالها ودلال وسحر نساؤها …
مراكش حارة صيفا ..وفى الشتاء تكاد تموت من البرد ان لم تجاورك حسناء تبعث الدفء فى جسدك ..
فان حديقة الماجوريل فى مراكش والتى يعانق نخيلها السماء ..وتجعلك طول الصباريات فيها، تتخيل بانه سوف يخرج من وسطها احد ابطال افلام الكابوى ..وان لم ابالغ فان الصدى سوف يردد صهيل جواده!!!

تلك الحديقة تعبر عن قوس قزح مراكش الفاتنة صيفا وشتاء …

سحرتنى مراكش والمراكشيات وانا اتامل الازقة واقرا صفحات المجد التليد ..فجاة توقفت عند صانع اخشاب تنبعث من دكانه رائحة طيبة وبدأت فى المؤانسة معه وسألته مشيرا الى سمارة بشرته – والمغربيات يصرعهن ويأثرهن الرجل الاسمر – الى اى جهة وعرق ينتمى فقال بفخر: انا هلالى ..وعندها تفجرت براكين التاريخ بيننا واصبحنا كالنحل ننتقل من المغرب الى الجزائر عابرين ليبيا وصولا الى صعيد مصر والنوبة وسيدنا الخضر ولقمان الحكيم وقصص ابوزيد الهلالى واشعار الخال عبدالرحمن الابنودى.. ..والجميلة فاطمة الزهراء تنظر فى ذهول وتعمق للحوار بيننا وتلتهم من شهده بنهم وتلذذ ..وهزت على كتفى: ان ظللت تحكى ..فاننا نحتاج عاما كاملا للتجوال هنا دون ملل..
واهدانى الهلالى تحفة من خشب الارز لازالت تزين صالون بيتى تحكى عن صلة قربي وظلم حدود استعمارية وهمية ..

اخذتنى فاطمة الى “البشرة المغربية” من سال من شعرها الذهب وتدلى وانسكب ..مرورا بالصدر وبرتقاله الذى غنى له النوبي الشامخ وردى …وكافة السهول والجبال والهضاب وحتى الينابيع والبراكين ..وشرحت لى باسهاب وخبرة وعلم وعمق دراية عن كل وردة وزهرة وعشبة وتاثيرها على الجسد تاريخا وجغرافية وحتى علم المنطق!! ..وانا اطالع ابتسامتها العذبة وفى ذاكرتى اردد:

الله يا خلاسيه
يا حانةٌ مفروشةٌ بالرمل
يا مكحولة العينين
يا مجدولة من شعر أغنية
يا وردة باللون مسقيّه
بعض الرحيق أنا
والبرتقالة أنت

وكنت قد سألتها عن الفرق بين الزعتر والزعيتر ..ولكنى كالعادة سرحت بعيدا
اسأل نفسى عن بلادى التى تتعدد فيها الفصول والمناخات وارض عجب تنمو فيها كل انواع الاعشاب والنباتات الطبية والعطرية ولا نوظفها ولا نستفيد منها …
واعشاب المغرب ونباتاته جعلت افئدة تحن اليه ..والى حسناواته وهن يتفاخرن بان كل شئ فى زينتهن طبيعى ..واكلهن طبيعى واورقانك وحتى الاوانى الفخارية هى السائدة ..
وسيدة المائدة هى “السلاطة” والفاكهة امرها عجب فى بلاد يسودها البرتقال والذى يباع مع الخضروات وليس من ضمن الفاكهة ..وشرائحه حول صحن السلطة وعليها مسحوق القرفة .. والبرتقال عندهم اسمه الليمون …اما الليمون فاسمه عندهم الحامض وما اجمله مع الزيتون المغربي!

ولو رايت شكل المائدة المغربية…فحتما سوف تقبل الايادى التى جعلت شكل مائدة الفقير وكانك فى قصر هارون الرشيد!

قلمى ثمل يترنح فى الذكريات والطرقات ..ويرفض التوقف عند اشارات المرور ..ويقفز من علائل ابوروف الى جبال اذريبجان الخضراء والى ازقة مراكش الحمراء دون كوابح ..
فقد كنت اود ان اكتب عن صنع المربي وامامى الان ما يسمونه الفرنجة
Jam Tart
وكنت قد ادمنته مع الزلابية ” اللقيمات” التى فى باطنها المربى ويسمونها Donuts
اثناء دراستى الجامعية فى مانشستر لانها على قدر جيبى وحلوة المذاق وتشبعنى وكفى..
والسبب اننى وجدت زوجتى قد اجادت صنع الجام تارت .
فاى فواكه قديمة او بعث بها الزمان والمناخ ..تجعل منها مربي ..وحتى الموز وبطن البطيخ والشمام واللارينج والمانجو والقرع …وقطرات ليمون..وورد من حديقتنا الصغيرة والبابونج ( الاقحوان)..تدخل فى صناعة المربى المنزلية …والانتاج عبادة

 

التعليقات مغلقة.