( أمانه عليك ياتايه الخُصل
وياخير عمَّ في دروب
عمرنا الضايع هطل
أنحنا متين عرفناك
ومتين الكنا مادايرنو يحصل
داس مشاعرنا وحصل ) ..
كلما سمِعْتُه أتساءل ..
من أيِّ نَبْعٍ يستقي
ومن أي ضياء يحتسي
ومن أين له كل هذه القلائد الزاهية ..
وكلما رأَيتُهُ جدَّ بي الاستغراب
أيُّ مشاعر مَتأجِجَة
وأي أحاسيس مُلْهِمة
وأي أحزان مُحْرِقة ، يختزن هذا الرجل ..
وأيُّ سرٍ يكاد يلوح ويبوح ، ثم يختبئ ، خلف هذا الوجه ، الذي يجمع بين الصرامة والطلاقة ..
وأقول ..
( ياتو غَيمَاً جا منو
ومن ياتو جَوْ ) ..
إنه يدهشني غاية الإدهاش ، وهو يُطَّرِز غَلائلَ الغزل ، فتأتي عبارتُه مفعمة بالحرارة ، نابضة بالحياة ، تصفق وترقص وتنادي عليك ..
( هسه فيكي أنا شِنْ أسَوْ
ياسلاااام لو جيتي أَبْدَرْ
وهل تفيد بالله لو
ياتُوْ غيماً نازلة منو
وياتو مَخْمَل وياتو جو
والكواكب أيه لِزُومه
وانتي ماليه الدنيا ضو
عَلِمي الغصن الطراوة
ومن نداوتك هششي
وعلمي البان التَثَنِي
والتمايل وادهِشِي
وعلمي الطاؤوس يَعَدِل
في اختيالو وفي مشي
الجمال لَمَيتِي كلو
للمعاك ما سِبْتِي شِي
وقلبي تاه من يوم عرفتك
اليَتُوه ماتفتشي
النسيم لو مرَّ جنبك
بي أريجك عطِري
وخلِّي بَعْدِك لينا يَوْصَل
أوع يرجع حَذِّري
والورد من فيض نَدَاكي
أَدِي برضو اتذكري
عمري ليك أنا واهْبُو كلو
هاتي نظرة واشتري
وإن وِدر في دربك انتي
يعني أيه ما توَدِرِي ) ..
ياسلاااام ..
ويمضي في سردٍ بديع ، يُصوِّر محبوبَه من الجمال ، بحيث يَبُزُّ جمالُهُ جمالَ كل جميلٍ ، مفتون بجمالِهِ ..
وأرجوك قِفْ عند ..
( ياسلام لوجِيتِي أَبْدَر )
وهي حالة من التَحَسُر و التمني الأسيف ، ليس منا إلا وقد تَلَبَّسَتْه
أو انتاشته ، فلا أحد يقنع بما كُتِب له
أو امتلكت يمينه ، فما أن تكتحل عيناه برؤية جديدٍ شديد ، حتى يندب حظه ،
ويتمنى أن لو استقبل من أمره ما استدبر ، وأن لو جاء أبْدَرْ ..
وما من أحدٍ ، إلا ويطل عليه من يجعله يهتف : هسَّ أنا شِنْ أسوْ !!
وياسلام لو جيتنا أبدر ..
إن الذي يَسِمُ أشعار (كامل عبدالماجد) بساطة المُفْردة ، و جزالة التعبير ، فلا تكاد تجد عناءً أومشقة في استيعابها والارتواء منها ..
إنها الكلمات ذاتها ، التي نتعاطاها ، يأخذها ، فيغزلها ببراعة ، وبإحساس ومعايشة ، ليعيدها إلينا
عقوداً نضيدة نضيرة ..
( الزمان الزاهي مرَّ
وعدَّت أيام المسرة
وفضلت الذكرى الحبيبة
ناره توقِد مَرَّة مرَّة
حار خلاص الكون ده أصبح
وخوفنا بكره نَشُوفْ أحرَّ
وأسه ماطايقين مرارتو
كيف مع الجايي الأمرَّ ) !!
وقبل أن أمضي ، مستعرضاً طرفاً من هذه الأنشودة الممتدة المتدفقة ، أوصيك بالحرص على أن تستمع إلى ( كامل عبدالماجد ) ، وهو يتلو قصائده ، فإنها على جمالها وسحرها ، تزداد جمالًا وسحراً ، ألف مرة ، عندما تلتهمها طازجةً ، وهو يتلوها عليك بصوت وقور وعميق و دافئ ، يُزاوِجُ بين الرقة والقوة ، و بنَفَسٍ يعلو ويهبط ، فيجعلك معلقاً بين الأرض والسماء ، فلا إلى هذه تهبِط ولا إلى تلك تصعد ،، وتأتي منغمةً ونظيمةً وسلسةً ، مستغنية عن التلحين ، وعن تطريب المؤدين البارعين ..
( كانت الخرطوم جميلة
وليله يلْصِف بالكهارب
المتاجر الضخمة تفتح
لما فجر اليوم يَقَارِب
الشجر ظالي الشوارع
النوافير النجايل والملاعب
المحطة الوسطى كانت
مُلتقى الناس والحبايب
وكل زول حَايِم أخوكا
وإن خِتِيتْ أو يوم غِلِطت
في الكُبار البِزْجُروكا
والمعلم كان أبوكا
كنا نحترمو ونَجِّلو
كانت الناس بي سلوكا
كان صَحابك في المدارس
طول حياتم يذكروكا
لما تطلع فوق تشيلم
و لما يطلعوا يرفعوكا
كنت تشتاق للحبايب
ولما تبْعِد يشتهوكا
والقَطَر كان ستة شوكة
الزمن ما فوضى رُوُكَة
بيهو للحِبان نسافر
ولا هم حِلويييين يجوكا
كانت البوستة التواصل
إن بِعِد منك خَلِيلَك
وإن بِعِدْت يحِنو ليكا
يقولوا وينك ياحليلك
والخطابات المُسَطرة
والمناديل المُعَطرة
زي حمام زاجل تجيكا ) ..
ويمضي في تَذَّكُرٍ جميل ..
كيف كان العفاف سوقو عامر
وكيف كانت البلدان رخية
وكيف كانت المشاعر جَدْ غنية
وكيف كانت الثقافة غُصُونَه دانية
والشعر كان بالسجية
وكيف كان طعم الكتابة ..
( صاح زمانا الزاهي مرّ
وتَفْضَل الذكرى الحبيبة
ناره توقِد مره ،، مره ) ..
ويقيني أن الذين يحنون إلى الماضي ، بحسبانه الزمن الجميل ، سيجدون فيما نظمه ( كامل عبدالماجد ) مايُثْلِج صدورهم ، وتَقَّر ُ به عُيُونُهم ، ويُوطئ لجُنوبُهم مِهاداً وثيراً من الذكريات المخضرة ..
إن ( كامل عبدالماجد ) يجلس على ضفافِ مسيرةٍ طويلة ، عامرة بالتَنَقُل ، والتأمُل ، والتَقَلُّب في أطايب ألوان الحياة ومُرِّها ، فقد رأى النور في ( المناقل ) وسط السودان ، وارتوى من مدرسة حنتوب ، واشتد عوده في جامعة الخرطوم ،، و شرَّق وغرَّب على امتداد ( دارفور ) و ( كردفان ) و ( بحر أبيض ) ، وعاش ليالي الخرطوم بطولها وعرضها وبصفائها وكدرها ، وابْتَلَّتْ عُرُوقُه في بريطانيا ، واحتضنته السعودية ، لتأتي حصيلة هذا التِطْواف ، قصائد خالدة ، توثق لأجمل المواقف ، وأروع الحكايات وأغناها ، قصائد تُمَجِدالمكان ، و تُلَوِنُ الزمان ، وتُجِلُ الإنسان ، و تُعْلِي من قَدْرِ الغيد الحِسان ..
( كم كريسماس مروا بيكا
وكم ضَحِيَّة !!
منك الحِبان مسافه
والبلد نائيه وقَصِيَّه ) ..
و عتابُه يُمتِع أكثر مما يوْجِع ..
( مالو عزَّ علي سلامِك
ومالو قلَّ معاي كلامِك
تمشِي في الناس نسمه ناديه
وفيني واقده جحيم ضِرامك
زي تقول ماكنت زولِك
ودنيتك واجمل غرامك
خلي باب الريد مَوارَب
يمكن ارجع لي حمامك ) ..
وتجده رقيقاً، ذَلُول الحواشي ، إذ يعاوده الحنين ، إلى كل رفيقٍ ودارٍ وأرضٍ ضمته يوماً ..
( أحكي أيه وأخلي أيه
وحالي واصلِك ماهو خافي
الله عالِم ما نسيتِك
إلا ليكي طريقه مافي
من حَزَمْتَ متاعي فُتِك
طاشي في التيه والفيافي
أغفو بي نغم الهبايب
واصحو بي صوت السوافي )
و يظل قلِقاً على ( دارفور ) ، مهموماً بها ، وجرحها لا يكف عن النزيف ..
( حدَّها متين الحَرَابَه ) !!
و ( ياعرين أهلي البواسل
ما عرفنا الفيكي حاصل
الجيوش تزحف حِيالِك
جيش يَفُوت والتاني واصل
والإذاعات بيكي تَرْطُن
من صباح لي ليل تَواصِل
والوفود قاصداكي تَتْرى
فيكي تفْتِي وفيك تفاصِل
والحمام الفَرَّ جَافِل
إمتى يرجع ليكي قافِل ؟ ) ..

ويبكي صِحابَه بحرقة ، وبدمع سخين
لا يجف ..
وكان حزنه عظيماً وهو يفقد صديقه
( حسن ساتي ) ..
( و تسألني في مِزاحٍ عن جديد القصيد :
((هل مازلت تكتب ياعجوز قصيد الهوى
وتمتطي خيل التشبب)) !!
تسائلني وتضحك كدأبك في الزمان
القديم الجميل ..
من ظن في ذاك المساء النبيل
أن عمرك يمضي في النفاد
وأن رصِيدُك أصبح بعضُ عام
تباغتنا بالرحيل الأخير لماذا ؟
وكنت تهاتف حين تيمم شطر الشمال
وحين تعود
وتخبرنا بيوم الوصول ويوم القيام
تباغتنا بالرحيل
فمن للمودة بعد ارتحالك
من للصفاء ومن للإخاء وعذب الكلام )
وبلَوْعَةٍ مُزَلزِلةٍ ، وأسىً يُذيب الأكباد ، ودع الجنوب ، حين الإنفصال ، في شخص صديقه ( شول دينق ) ، وهو يرحل مع الراحلين ..
( ياصديقي شاءت الأيام
أن نشهد عصر الإنفصال
واقتسام النهر والأرض القديمة
والجبال
والجباريك الصغيرة
والمراعي
والعصافير الطليقة والتلال
نسأل الآن وهل يجدي السؤال 
ما الذي فرقنا شرقاً وغرباً
وجنوباً وشمال
ما الذي قاد إلى هذا الوبال
ما الذي قزَّمنا
وقد كنا عمالقةً طوال
ما الذي أورثنا ضعفاً وجهلاً وخَبال
يا صديقي في غدٍ ترحل عنا
كيف من بعد الوصال ؟ ) ..
ولقد بحثت له عن قصيدة لِأُدَلِل بها عليه ، عندما يغضب ، ويخرج عن طوره المعتاد ، فلم أجد ،، ذلك أن ( الرجل ) لا يفيق من صبابةٍ إلا عصف به لاعج ، ولا يستريح من سفر إلا وجدَّ به تذكار ، شأنُ ( الدرويش ) الذي يتقاذفه ضِرام الحضرة المُسكِر ..
هذا هو ( كامل عبدالماجد )
يحزن ، فيبْكي ، ويُبكيك بدموع غِزار ..
يصف ، فيجعل الموصوف بلا نديد أوشبيه ..
يرضى ، فتهنأ وتُسَرُ برضائه نفوس وأرواح ..
يحب ، فلا يبلغ مداه ويداني إخلاصه ، عاشق أو متيم ..
ويُقبل على من أحب ، إقبال العابد الولهان ..
فلا تملك إلا أن تُعَمِّده سلطاناً للمُحبين ..
وهي صفة أرى أن ( كامل )قد نالها بحقها ..
وحقها .. ( سيد الإسم ) ..
( محبوبي وكتين يبتسم
الدنيا ياناس تنقسم
الفرحة تملاها وتزغرد فيها
والشوق يرتسم ) ..
وليس بعد ذلك من قولٍ يُقال ..
فلك مني التحيات الزاكيات
كامل عبدالماجد ..
أم درمان ١/١/ ٢٠٢١ ..

التعليقات مغلقة.