الاقتصاد السوداني .. بين تمزيق فاتورة الحرب وتحديات السلام

 

*د.عادل عبدالمنعم : مشوار السلام طويل جداً وما تحقق منه يقدر بنسبة (60 ـ 70%)

*د.عثمان التجاني : غياب حركتي عبد الواحد والحلو من الراهن السياسي يشكل حجر عثرة اقتصادياً.

*بروف نعمات سالم : تكلفة بناء الخراب اكبر من تكلفة الحرب ولابد من…. !!

*محمد الزين : الاخطر على الوضع تسوية العدالة الانتقالية مما يتطلب إيجاد دعم المجتمع.

 

أول النهار : إنتصار فضل الله

 

 

*ظل الاقتصاد السوداني وعلى مدار سنوات يشهد تدهوراً مريعاً في كافة البنيات ، واستعصى على الحكومات التي توالت على الحكم منذ ستينات القرن الماضي للخروج من الازمة الاقتصادية والالتفات لتحسين الاوضاع والنهوض بها إلى مصاف الدول المتقدمة. وثمة اسباب عديدة حالت دون ذلك ، “اول النهار ” تناولت ظاهرة التدهور الاقتصادي وطرحت اسئلتها لمعرفة:

في اي اتجاه يمضي الوضع ؟ وما المكاسب الاقتصادية التي سوف تجنيها البلاد بعد التوقيع على اتفاق السلام ؟ وماهي التحديات المعيقة لتحقيق ذلك ؟ هذه الاستفهامات وغيرها وضعناها في طاولة الخبراء والمختصين ليدلي كل منهم حولها.

فاتورة الحرب

لا يختلف اثنان ان الحرب تشكل معضلة في الاستقرار الاقتصادي والسياسي وحتى الاجتماعي ، وسبب رئيسي في تخريب البلاد بنيوياً، ومهدد للسلم الاهلي والمجتمعي ومعوق للتنمية ، هكذا ابتدر د.عثمان التجاني الخبير في التنمية حديثه مع “الصحيفة ” قائلا : السلام ليس “سمح ” كما هتف به قادة الحركات فحسب ، إنما ضرورة لاستمرار حياة الناس ، وله كلفته العالية اقتصاديا، ففي قراءة اولية للتكلفة على ضوء ما اسفرت عنه اتفاقية جوبا مع بعض الحركات الثورية ، برزت تحديات كثيرة وعيوب، لان الاتفاق لم يشمل اهم حركتين وهما حركة عبد الواحد نور وحركة عبد العزيز الحلو ، وهما اكثر الحركات تنظيماً (على حد قوله) ولديهما جيش وقاعدة شعبية وارض تقيم عليها، كما لديهما فكر ورؤية خاصة لعلاقة الدين بالدولة، بالاضافة الى انهما تمتلكان مشروعاً فكرياً بعيداً عن الاتفاق. و الاختلاف حوله له تاثيره الاقتصادي والسياسي.

حجر عثرة

ويسترسل التجاني تفنيده للوضع ومسبباته وتحدياته بالاشارة الى ان غياب الحركتين من الواقع السياسي الراهن يشكل حجر عثرة اقتصادياً ويصعب معه بناء السلام ، ثم ان الحركات الثورية التي وقعت الاتفاقية كان جل اهتمامها على المحاصصة الاقتصادية والثروة ومفاصل السلطة والشراكة فيها ، مما ادى لتمرد بعض منتسبي هذه الحركات الذين لم يحظوا بجزء من (كيكة) السلطة، وهذا الامر لم يلتفت إليه الكثير من الناس ، ويرى ان التكلفة الاقتصادية لبناء السلام تحتاج موازنة ضخمة لانفاذ متطلباته التي تتمثل في تمزيق فاتورة الحرب والنزاعات بشكل جذري وإعادة الدمج وإعادة النازحين لقراهم وتاهيل المواطنين وبناء المساكن وتوفير الخدمات العامة وبالتالي إخراج الاقتصاد من دائرة السكون الى الانتاج والانتاجية والعالمية.

تكلفة ضخمة

واتفقت بروفيسور نعمات سالم الخبيرة في مجال بناء السلام الاقتصادي ، مع مطالبات د. عثمان ، واكدت على ضرورة العمل على معالجة ما دمرته الحرب حتى تظهر جهود السلام وذلك من خلال إقامة مشاريع تنموية وخلق وظائف لاستيعاب ملايين العطالة الذين حُرموا من إيجاد فرص عمل بسبب الحرب ، مع التركيز على خلق مؤسسات لتاهيل الفاقد التربوي بإقامة مؤسسات تُعنى بالتعليم الفني ، ونوهت إلى ان تكلفة بناء السلام اكبر من تكلفة الحرب بل تشكل اضعافها لانها تعني تعمير الخراب الذي خلقته الحروب والمشاريع التي تعطلت ودُمرت، والتنمية التي حرمتها الحرب ، فيما ركز القانوني محمد الزين خلال حديثه لـ”اول النهار ” على ان الاخطر تسوية العدالة الانتقالية التي لم تتطرق إليها الاتفاقية بشكل واسع وعلمي، مما يتطلب إيجاد مؤسسات وكوادر وخبرة محلية وخارجية، ودعم المجتمع الدولي وعملاً لوجستياً لتحقيق ذلك واضاف ان كل هذا يحتاج للمال ثم المال.

موارد محلية

ويواصل الخبير القانوني مضيفاً ان بعض الحركات كانت لها ارتباطات خارجية لتلقي الاعانات المالية والدعم الاقتصادي، بجانب السياسي لكن على حساب اجندات وربما قدمت نفسُ الجهات التكاليف المالية للمفاوضات، لكنها بالتاكيد لم تساهم في دعم بناء السلام مالياً او فنيا، لان ارتباطها كان فردياً وله أجندة، عليه سياخذ بناء السلام من الوقت الكثير وفي حاجة إلى دعم مالي واقتصادي وفني. وهذا الامر يكشف مدى حاجته إلى موارد محلية وخارجية إقليمية، وقروض لانفاذه وهو التحدي الاكبر الذي يواجه الاقتصاد الذي يُبنى على السلام الحقيقي ، ولم يبتعد المحلل الاقتصادي دكتور عادل عبد المنعم عن ما ذُكر سابقاً ، فهو يقول على الرغم من ان تكلفة السلام كبيرة وان الحركات الموقعة تحتاج اموالاً، كما حُدد لها مبلغ (700) مليون دولار سنوياً، والانفاق عليها وعلى جيوشها. وهذا المبلغ كبير جدا خاصة انه حُدد بالدولار ، غير ان الاثر الاقتصادي للسلام سيكون كبيراً ايضا، . حال استطاعت الحكومة توفير هذا المبلغ بشكل كامل او نصفه بالمكون الاجنبي والنصف الاخر بالمكون المحلي لتجنيب البلاد ويلات الحرب والمحاصصة على السلام.

قاصمة ظهر

واردف عبد المنعم لـ”اول النهار ” للحرب اثار كبيرة جداً وتسهم في تبديد طاقات القوات المسلحة التي يحتاج لها لحماية الحدود والوطن إضافة إلى انها فتنة بين ابناء الوطن الواحد لتصرفهم عن التنمية والاستقرار، ولها مؤشرات سالبة جداً بالنسبة للمستثمرين من الخارج، فالدولة التي تشهد حروبا اهلية مستمرة لن تجذب استثمارات، بل سوف يتوقف فيها الاستثمار الخارجي، لافتاً الى ان مناطق الحروب غنية بالموارد، كما انها يمكن ان تستثمر وتحقق إيرادات كبيرة جداً بعد وضع الخلافات والنزاعات ودفنها للابد ، فاذا توفر لسكانها الاستقرار و العمل والانتاج خاصةً في مجال الرعي والزراعة سوف تكون لهم إضافات مقدرة للناتج المحلي الإجمالي من السلع المختلفة الزراعية والحيوانية وغيرها.

إنتاج مضاعف

وبحسب المحلل الاقتصادي ، بالرغم من الفاتورة الكبيرة التي حُددت للصرف على الحركات الموقعة على السلام ، لكن في سبيل إيقاف الحرب يمكن ان تحقق الدولة إنتاجاً مضاعفاً لتلك الفاتورة ، بالنظر للنواحي الايجابية فحجم الفاتورة وإن كان كبيراً سوف يُنفق معظمه في الداخل، والقليل منه سوف يكون خارج الدورة الاقتصادية ، بالتالي كل هذه الاموال سوف تعطي دعماً كبيرً للاقتصاد السوداني، والمحصلة ستكون إيجابية. ويرى انه كانت خطوة جيدة جداً ان يتوصلوا إلى السلام والاستقرار ، ويتشاركوا في مجلس شركاء الحكم الذي تم تشكيله مؤخراً ، والذي سيكون مجلس شورى يجمع بين الزعماء واصواتهم ويزيل المشاكل والخلافات بينهم على الرغم من انه مجلسٌ غير تنفيذي، لكن له مهام كبيرة جداً للجمع بين الاحزاب والفصائل المختلفة والتغلب على النعرات القبلية والعنصرية.

إستقرار قادم

ويرى عبد المنعم ان السياسة والاقتصاد عنوان لاسم واحد وبالتالي اي خطوات إيجابية سياسية سوف تنعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي، قائلا بالرغم من عدم توقيع حركتي الحلو وعبد الواحد فإن معظم الحركات قد انضمت للسلام بما فيها الفصائل المخالفة، ويرى ان وزن الذين لم ينضموا محدود، داعياً لضرورة الجلوس لانهاء الانشقاقات في الحركات، وتوقع انضمام العديد من المسارات لركب السلام وإلى المجموعات حال شعرت بحدوث الاستقرار ، مضيفاً ان مشوار السلام طويل جداً، وما تحقق منه يمكن ان يقدر بنسبة (60 ـ 70%) ، مما يتطلب الدور الفاعل لمجلس شركاء الحكم والعمل على التنسيق بين الشركاء ” عساكر ـ مدنين ـ حركات ” وشدد على ضرورة ان تلبي وزارة المالية المتطلبات المالية لتلك الحركات وتوقع ان يشهد العام الجديد 2021م ضخ موارد وعملات حرة من الخارج ، واستقراراً اقتصادياً يُمكِّن الدولة من الانفاق على كافة قضايا السلام نظراً ان المال يعالج (90%) من المشاكل، وتوقع ان تمد بعض الدول يد العون بعد ان تحقق السلام خاصة دولة قطر وهي الراعية للسلام لسنوات طويلة من النواحي المادية.

التعليقات مغلقة.