ونحن نتصدى لقيادة إتحاد طلاب جامعة أم درمان الإسلامية ، عزمنا على تنظيم الموسم الثقافي الأول …
كانت خزينة الإتحاد تشكو مُر الإملاق ، وكان حالنا أشبه بالذي فاجأ من حوله بنية الحج فعندما سئل عن ماذا أعد له ؟قال : التلبية !!
أو ذلك الذي أراد الزواج ، وعندما سئل عن ماذا أعد له ؟ قال : المأذون !!
ونحن أعددنا ( القَرْعَة )..
كانت جُرأة متناهية تلك التي ساقتنا إلى وزير الثقافة والإعلام طَلباً للدعم ، على استحياء وتردد..
أحسن الوزير إستقبالنا ، وغمرنا بتواضع جم .. وفرِحنا حتى بانت نواجزنا ،، وهو يَشُدُ من أزرنا بمبلغ مقدر من المال ، رغم أن إتحادنا يومذاك كان مناهضاً بشدة لنظام ( مايو )
وغدا المستحيل بعونه ممكناً..
لقد كانت المرة الأولى التي أجلس فيها إلى وزير ، وجهاً لوجه .. ( الوزير ) الذي هو منتهى أمل الصغار ، إذا أمَّلوا وتمنَّوا وتمادت بهم الأحلام ، وهو ما تُهَدْهِد به المرضعاتُ وِلدانَهُنَّ 🙁 تكبر وتبقا لي وزير )..
لقدتبين لي يومها أن ( الوزير ) ليس تلك الأسطورة التي ترتسم في خيالنا منذ الصغر ، بل هو بشرٌ كسائر الخَلق .. يضحك ، ويأكل الطعام ، ويشرب الشاي والعصير ..
كان الوزير هو ( علي شمو ) …
ومنذ ذلك اليوم ظللت أزِن أي وزير بميزان ( علي شمو )..
فإذا وجدتُه مُحْسِناً قلت : كأنَّه ( علي شمو ) ،،
وإذا ساء فِعْلُه قلت : أين هذا من ( علي شمو ) !!
خاصة وأنني ، من بعد ، و خلال مسيرتي العملية ، قد تعرفت على كثير من الوزراء ، فوجدتهم كنَبْتِ الأرض
( ونبتُ الأرض ألوان..
فمنه النخل والعنب وزيتون وريحان..
ومنه ذو شوكٍ يُدْمِي
وفوق الشوك قَطِرانُ )..
وأجدني اليوم أمتلئ يقيناً ، أكثر من أي وقت مضى ، أن علي شمو سيبقى في تاريخ السودان المعاصر ..
من الصُّلاح .
أهل النجاح والفلاح .
الذين انعقدت لهم رايات الحكمة والإستنارة وعُلُوُ الكعب..
( علي شمو ) نال أعلى الدرجات العلمية..
وتقلد أعلى المناصب وأهمها..
وحاز أرفع الرتب والأوسمة والأنواط..
وأطلق إتحاد إذاعات الدول العربية..
وحاور ( الست أم كلثوم ) ، وهي من وقفت على (الأطلال ) تتحسر ..
( يااافؤادي لا تسل أين الهوى
كان صرحاً من خيالِ فهوى )..
وتحتَقِر ..
(وحُبِ أييييه اللي إنت
جايي تقول عليه
إنت فييين والحب فييين
ظالمُه ليه دايماً معاك ) ..
وتشتعل ..
أغداً ألقاك ياخوف فؤادي من غد
يالشوقي واحتراقي في انتظار الموعد..
وتذوووب…
( هذه ليلتي وحُلمُ حياتي
بين ماضٍ من الزمان وآتِ
الهوى أنت كُلُه والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهاتِ)..
وحَظِيَّ ( شمو ) بعضوية عشرات المنظمات والمؤسسات والكيانات..
وشارك فيما لايحصى من المؤتمرات والملتقيات والمنتديات الإقليمية والعالمية..
وأنجز مالا يُعَد من الأفكار والخطط والبرامج والهياكل والمشروعات..
وأعد مالا يحصى من المؤلفات والبحوث والأوراق العلمية..
ودرَّسَ ، ودرَّبَ ، وأهَّلَ ، وصَقَل ، وعَجَم من الأعْوادِ ماكان ليِّناً طرياً..
إنه أستاذ الأساتيذ ، الدكتور ، البروف ، الخبير ، العَلَم ، العالِم ، العلامة ، الإعلامي الشامل ، وسيد العارفين..
ولكن …
ليس هذا كل مايميز ( علي شمو )، ويجعله أعلى أهل الإعلام مِقداراً..
فلعلي شمو إنعقدت له خِصالٌ مبهرات ..
تواضع العلماء ..
وشموخ العظماء ..
ورسوخ الأصفياء ..
وسطوع النجوم ..إذْ حاز النجومية بكل أركانها ومن كل نواحيها ، لينتقل بها من حالة التصفيق والهتاف والهِياج ، إلى علياء الإنبهار المفضي إلى الإقتداء والتشبه الرفيع..
وعطاء موصول.. هو البئر المِدْرارة تَهَب ماءها لكل وارد ، ولا تشكو كثرة الدِلاء ،
فأين ماحلّ يُغْدِق على من حوله من علمه وأدبه وبركاته ..
وخُلُقُهُ أن لا يسعى للسلطان ، ولكنه لا يَرُدُ سلطاناً خطب خبرته وعلمه وحسن صنيعه ، لذا تجد يده ممدوده ،،ويُسارع عند كل نداء أو استعانة أو استغاثة..
والمُسارعة من طبعه ، فكأنها قد فُصِّلت عليه ، وقُدَّت منه ، فلله درُهُ ..
وهنا تكمن قيمته وقيمومته ..
فهو جِماعُ ( قيمةٍ )ولحْمَتُها ..
فعندما يُقال عبدالله الطيب .. تبرز ( قيمة ) اللغة العربية وعظمتها..
وعندما يُشار إلى إسماعيل الأزهري تبدو ( قيمة ) الوطنية الخالصة..
وعندما يرد اسم الفيتوري تتجلى ( قيمة ) الدنيا..
( دنيا لايملكها من يملكها ؛
دنيا أغنى أهليها سادتها الفقراء )..
ولمايُذْكر المشير سوار الذهب ، تشرق ( قيمة ) التواضع وإحتقار السلطة والزهد فيها..
ومن يَطالُ ( قاسم بدري ) ، في تجسيد ( قيمة ) أن تكون حفيظاً على ميراث آبائك ،، قائماً عليه ، بكل ما أوتيت من عزمٍ وقوةٍ ويقين، لتكون مصدر إسعاد وإشعاع لأجيالٍ تتلوها أجيالٌ من ( فتيات الغد ) ..
إنها مُهِمَة جَد عسيرة ، فإذا كان البعض يَسْوَّدُ وجهُهُ إذا بُشِّر بالبنت ، فأيُّ عظمةٍ ، وأيُّ نُبْلٍ ، يتجليان في ( هذا الرجل ) الذي اتخذ من الألوفِ ( بناتٍ ) له ( وأحفاداً) ،، يُعَلِّمُ ، ويرعى ، ويربي ، ( ويحَاحِي )، ويُشاطِرُ الأفراحَ والأحزان ، لِيغْدُو له في كلِ منزِلٍ تِذْكار ..
إنه ( العميد ) ولا أزيد ..
وما أن تقول : ( الجزلي )إلا ومِلْأُ سمعك صوت ينادي في كل أرجاء بلادي ..
( هنا أم درمان ) ..
( المشاهدون الأعزاء ) ..
( أيها الشعب السوداني البطل ) ..
( أسماءٌ في حياتنا )،، حيث تجد الشيخ عوض الله صالح ، الدكتور عمر بليل ، الفنان إبراهيم عوض ، وقائمة ممتدة من شموس السودان ، وأقماره ..
إنها ( قيمة ) الإنفعال بالوطن في
أنصع تجلياتها ..
وما أن تسمع ( بكمال شداد ) حتى
يزدحم خيالك ( بقيمة ) معشوقة الجماهير ، ( كرة القدم )، بميادينها الخضراء ، ولاعبيها ، وحكامها ، وإدارييها ، و مشجعيها ، وقوانينها ،( وفيفاها ) و ( كافها ) وبكل نقعها وغبارها ، والذي هو أشبه بمخلفات حروب داحس والغبراء ..
وما أن تأتي سيرة ( الطيب صالح ) ، حتى تستبين ( قيمة ) الواقعية في الأدب الإنساني ، والبراعة في تصوير النفس بكل أشواقها ولواعجها
ونوازعها ..
ثم أَغْمضْ عينيك ، وتصور الطبيب الإنسان الشاعر ( علي الكوباني ) ، عندها تعرف ( قيمة ) أن تكون عملاقاً أنى سارت ركائبك ، حتى تكاد تلامس السماء ، وكيف تَأَتَّى لذلك ( الأبنوسي ) وهو غارق في الحياة ، أن يَمْدُد بالأسباب إلى الموتى فينتزع منهم أسباب موتهم إنتزاعاً ، ثم يمضي لِيُصافح المَلاك ..
( أنا شفت الملاك بإيدي سالمتو
بهرني بي نورو خلاني مأسورو )..
وبين يدي ( طه علي البشير ) تُدْهِشك ( قيمة ) أن تكون شخصية ذات أبعاد و زوايا مُؤْتَلِفة ومُشْرِقَة ، كالجوهرة المُشِعَة ، لاتعرف لها ظهراً من بطن ، نورٌ على نور ، فهو رياضي مطبوع ، وأديبٌ ذرِب اللسان ، كأنه من طينة كعب ابن زهير ، وامرؤ القيس ، والنابغة الذبياني ، وإداري مقتدر ، وفي عالم المال والأعمال يتبوأ مقعداً عليِّا ، وسياسي ذو نظرة ثاقبة ، ويَزِينه وقارٌ يجبرك أن تَخِرَ له صاغراً ..
( وقيمة ) ليلة المولد ، بكل زخمها ، وحرارتها ، وتجلياتها ، وفيوضات المحبة المتدفقة فيها بذكر المصطفى عليه الصلاة والسلام، تتجسد من خلال ( المجذوب ) و( الكابلي ) ..
( ليلة المولد ياسر الليالي والجمالِ
وربيعاً فتن الأنفسَ بالسحر الحلالِ
صل ياربِ على المدثرِ
وتجاوز عن ذنوبي واغفرِ
وأعني بمتابٍ أكبرِ
فزماني ولِعٌ بالمنكرِ )..
وعلى هذا المِنوال فاغزل ..
وكذلك ( علي شمو ).. ما أن يحضر في خيالك ، حتى ترى ( قيمة ) السعي المحموم الذي لا يهدأ ، لغرس فنون الإتصال ومناهجه وأساليبه ،من خلال وسائل الإعلام ،، المقروءة والمسموعة والمرئية والمُتَخَيَّلة..
وهو بذلك يُعْلي من شأن الكلمة القاصدة ، بحسبانها روحاً مقدسة ، إذْ أن مدار حياة الإنسان هو ما يقوله ، ثم يأتي الذي يفعله..
لذا فإنه يُنْدَب ، إن لم يكن يتوجب ، على كل مُرْسِلٍ..
قبل أن يشحذ قلمه ؛
أو يطلق لحنجرته العنان؛
أو يعتلي مقعده أمام الكاميرات ؛
أو يصعد المنابر ؛
أو يتصدر قاعات الدرس والتحصيل ..
عليه أن يولي وجهه شطر هذا البحر المترامي، ( علي شمو ) ، ،
ليتعلم..
كيف يَبْرأ الكلمة..
وأي وسيلة هي الأنسب والأنجع لإيصال الرسالة..
وأن يستوفي قولُهُ أشراطَه من التحقق والتيقن لأن الظن لا يُغْنِي عن الحق شيئا..
وأن يتنزل خطابُهُ على قدر عقول المتلقين..
وينأى بنفسه عن مزالق تزْيِيِن الزِيِف ، وطمس خالِص وكُنْه ومَحْض الحقائق السافرة..
ويقول التي هي أحسن ، لا التي هي أخشن ..
وتبقى الكلمة التي ، يكابد من أجلها ( علي شمو ) ، مسؤولية وأمانة ..
تظل خافضة رافعة ..
فكلمة تُحْيِّي وتَهْدِي إلى سواء السبيل..
وكلمة تُورِث فتناً كقطع الليل البهيم ، وتَجُر قطيعة واحتراباً..
وكلمة تُطرِب..
وكلمة تستَمطِر دموعاً غِزاراً..
وكلمة تستنطق الصخر العصيَّا..
وكلمة تَهْوِي بقائلها سبعين خريفاً في نار جهنم ..
وكلمةٌ جارحةٌ ، نطقها محمد يوسف موسى ، فذاق من ويلاتها طعم الحنظل ..
( كلمتي المست غرورك
وفرقتنا يا حبيبي ..
مش خلاص كفرت عنها
بتسهدي وبنحيبي ..
دي الليالي المرة عشتها
وحدي في ناري ولهيبي..
وبرضو مارضيان تسامح
ياصباحي وياطبيبي ) !!
والكلمة !!
إنها الكلمة ..
في البدء كانت ..
وعند المنتهى تكون ..
وبها يصدر أمرُ الخَلْق.. كُنْ فيكون..
وقديماً ولم يزل ، قالوا :
( تكلم حتى أراك ) !!
أي ، أن الإنسان ماهيتُهُ كلامُهُ..
فإن تكلم رأيتَه وعَرَفْتَه..
وعند الكلام يَهلِك من هلك عن بينة ويَحْيَا من حَيَّ عن بينة ..
ومن هنا يبدو لنا تفرد ( علي شمو )، وهو يرتقي هذا المرتقى الصعب..
حفيظاً على الكلمة،، منتصبًا في محرابها ..
ونحن اليوم أحوج مانكون إلى اجترار سيرته والتأمل في مسيرته ، والإنتفاع بعلمه ، فما رأيت زماناً ، يسترخِصُ فيه الناس حصائدَ ألسنتهم ، ولا يُلقون بالاً لما يَتَقوَّلون كما يقع اليوم ، بما تتيحه ( السوشيال ميديا )وتزينه وتُحَرِّض عليه ، فيُلقي أحدُنا بالقول جِزَافاً ، وكأنه يرتشف جرعةَ ماءٍ قُراح ، ومادرى هذا المسكين ، أنه مايَلْفِظُ من قول إلا لديه رقيب عتيد ، وأن السمعَ والبصرَ والفؤادَ كلٌ أولئك كان عنه مسؤولا ..
فيا بني السودان..
هذا رمز ٌمن رموزكم ،،
فقد أنعم الله عليكم أن جعل فيكم ( علي شمو ) ، ضوءً لايخبو ، وسِفراً مبذولاً لكل راجٍ أوطالبٍ أو قاصد … وبِمَن هم في منزلته تنهض الشعوب وتطال الثريا،،، وبَنُوُها يُحَلِّقون عالياً بمدى قربهم منهم ، والأخذ عنهم ، والإحتفاء بهم …
فكونوا كذلك تُفلِحون ..
ولك التجلة ..
علي محمد شمو شاع الدين ..
وأكمل الصلاة وأتم التسليم ،،
على من تنزل عليه ونزل فيه ،،
قولُ الرحمن الرحيم ..
( وإنَّك لعلى خُلُقٍ عظيم )..
( سمح الوُصُوفو
يارب نشوفو
حَرَمو وسُرُوفو
نَعَقِب نطوفو ..
والسلام …
أم درمان سبتمبر ٢٠٢٠م
التعليقات مغلقة.